البرمجة الفلكية.. خطة الفضاء لمراقبة الأرض

21 - أغسطس - 2016
جريدة الخليج- عبير حسين
أعاد نجاح هيئة الفضاء الهندية مؤخراً، في إطلاق 20 قمراً صناعياً على صاروخ واحد، مسجلة رقماً قياسياً جديداً لبرنامجها الفضائي، الحديث عن الأعداد الهائلة للأقمار الصناعية التي تجوب المدارات حول الأرض، التي يقدر عددها بالآلاف، ومدى أهميتها للعلماء والباحثين، بما ترسله من معلومات وبيانات في مختلف المجالات. وتقدم هذه الأقمار، على مدار الساعة، صورة كاملة تتضمن تفاصيل حياتنا على هذا الكوكب، بما يصح معه القول إن الحياة على الأرض يتم التخطيط لها من الفضاء، أو ما يمكن أن نسميه «البرمجة الفضائية» أو «البرمجة الفلكية».




من بين الـ20 التي أطلقتها الهند، ونجحت في الوصول إلى مداراتها المحددة بعد نحو 26 دقيقة، هناك 17 قمراً صناعياً تعود ملكيتها إلى دول أخرى، بواقع 13 قمراً للولايات المتحدة، و2 لكندا، وواحد لكل من ألمانيا وإندونيسيا، بينما كان نصيب الهند 3 أقمار: اثنان لجامعات هندية، والقمر الأهم «كارتوستات 2» يهدف لمراقبة الأرض. ورغم ذلك ما تزال روسيا والولايات المتحدة تحتفظان بالأرقام القياسية لإطلاق أقمار صناعية على متن صاروخ واحد، بعدد 33 و29 قمراً على التوالي. في تقرير لها، أشارت مجلة «نيو ساينتست» العلمية إلى وجود آلاف الأقمار الصناعية السابحة في الفضاء، تجمع بيانات دقيقة عن كل ما يجري على الأرض، من تغييرات مناخية، وجيولوجية، ما يدفعنا إلى النظر بانتباه أكثر إلى أهمية إطلاق المزيد منها، وهي التي أصبحت توجه حياتنا بشكل كامل، تقريباً، أو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحاً «البرمجة الفلكية»، أي توجيه هذه الأقمار للنسبة الأكبر من نشاطات البشر على الأرض، بدءاً من الاتصالات والسفر، وحتى مراقبة أعماق المحيطات، وتتبع أسراب الطيور والحيتان المهاجرة.
يُعتمد اليوم بشكل كبير على المعلومات المقدمة من مجموعة مهمة من الأقمار الصناعية، في رسم الخرائط بدقة عالية، والتخطيط لتحسين البنية التحتية في المدن، واختيار مناطق اجتثاث الغابات أو إعادة زراعتها، إضافة إلى المعلومات حول التنوع البيولوجي، التي تساعد على فهم البيئات التي تعيش فيها الحيوانات البرية، وأهميتها الخاصة لمجال الصحة في تتبع الظروف المرتبطة بانتشار الأمراض. كما باتت الدول تعتمد على الصور والبيانات الواردة من عشرات الأقمار الصناعية، لرسم خرائط تقييم حدود المسطحات المائية والفيضانات، وإعداد أخرى بالأضرار الناجمة عن الزلازل الكبرى، ورسم خرائط دقيقة لذوبان الثلوج والقمم الجليدية. وتظل المساهمة الأهم والأكبر في تطوير عالم الاتصالات، الذي أصبح العامل المشترك الأهم بين البشر على الأرض. والظاهرة اللافتة هنا فيما يخص الأقمار الصناعية الحديثة، ليس فقط زيادة أعدادها، أو تطور التقنيات العاملة بها، والتخصص الدقيق لبعضها، بل دخول عدد من شركات القطاع الخاص إلى مجال تصنيع الأقمار الصناعية، التي لم تعد حكراً على الحكومات، أو الهيئات العلمية والبحثية التابعة لوكالات الفضاء الكبرى، مع الأخذ في الاعتبار تنامي تقنية «كيوب سات»، أي الأقمار الصناعية الصغيرة ومتوسطة التقنية، التي بات بالإمكان تصنيعها وإطلاقها في المدارات القريبة من الأرض.


ومن شركات القطاع الخاص التي دخلت على هذا الخط، تبرز أسماء شركات كبرى مثل: «سبايس أكس»، و«آسترو ديجيتال» التي تتعاون مع مركز «آميس» للأبحاث التابع لوكالة «ناسا» في «ماونتن فيو» بولاية كاليفورنيا، ويهدف هذا المشروع المشترك إلى إرسال قمر صناعي مخصص، لرسم خرائط بالغة الدقة للمساحات الزراعية وأنماط الزراعة، وفي هذا السياق قال أحد مسؤولي «آسترو ديجيتال» لمجلة «نيو ساينتست»، إن الأمر ليس مجرد رسم خرائط للمزروعات، بل توفير قاعدة بيانات واسعة، قد تسهم في تغيير مفاهيم الزراعة إلى حد كبير. وتُعد مراقبة المحاصيل من خلال الأقمار الصناعية، أحد أساليب الزراعة الدقيقة، التي تسهل مراقبة مؤشر نمو المحاصيل في الوقت الفعلي المحدد.
وكانت مجلة «نيو ساينتست» استعرضت في تقريرها عدداً من أهم الأقمار الصناعية التي تجوب حول الأرض لخدمة مشروعات مهمة، منها قمر «إيزا» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، الذي أطلق نهاية العام الماضي لقياس موجات الجاذبية في الفضاء، ويسعى العلماء من خلال هذا القمر الصناعي إلى اختبار تقنية جديدة في مرصد فضائي كبير، ينتظر إنشاؤه خلال 50 عاماً. وبخصوص ذلك قال يوهان ديتريش فورنر، المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية، إن الأبحاث الأساسية في هذا المجال تهدف لفهم العالم الذي نعيش فيه بشكل أفضل. مضيفاً أن المعلومات النظرية التي توصل إليها أينشتاين لا تزال مبهرة للغاية، وسيقربنا «إيزا» أكثر من تأكيد تنبؤاته بوجود موجات الجاذبية. وكان علماء من مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، نجحوا في اكتشاف موجات الجاذبية عبر مرصد موجات الجاذبية «LIGO»، واعتبر رصدها اكتشافاً مهماً وبداية حقبة جديدة في علمي الفيزياء والفلك. كذلك اعتبرت مجموعة أقمار«لاندسات» الصناعية، التي أطلقتها «ناسا» تباعاً منذ عام 1972 وحتى 2013، من أهم الأقمار السابحة في الفضاء.

انتهى



موضوعات ذات صلة
  • حرب الفضاء حرب الفضاء

    مع نهاية ستينيات القرن الماضي، هدأت حدة الاكتشافات الفضائية بعد فورة علمية وتكنولوجية أوصلت الإنسان إلى سطح القمر. ومع انتهاء الحرب الباردة تخلت الولا

  • فصول خارج كوكبنا فصول خارج كوكبنا

    فصول خارج كوكبنا لا ينفرد كوكب الأرض بوجود فصول الشتاء والربيع والصيف والخريف، "فكل شيء له غلاف جوي يمتلك فصولاً" كما يقول جيم غرين من وكالة

  • يُنير تجمّع نجوم فتيّة متلألئة بالطاقة فجوةً في الغبار المعكِّر لسديم "العنكبوت" ضمن مشهد يضج بديناميكية لا مثيل لسحرها حسب تعبير زولتان ليفَيْه، المكلّف بإيصال صور مرقب "هابل" الفضائي إلى الجمهور. إذ يضيف واصفاً المشهد: "نرى فيه نجوماً تولد وأخرى تموت؛ وهناك كميّة هائلة من المواد المرتجّة المتقلّبة". 
وكالة "ناسا". روائع "هابل" العَشْر

    لطالما أبهرتنا الصور التي التقطها هذا المرقب الفضائي على مدى 25 سنة؛ واليوم يُطلعنا رئيس العلماء المتخصّصين في صور "هابل" على مشاهده السماوية العشرة ا

أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا