“مسبار الأمل”.. إحياء لحلم البشرية الذي بدأ منذ 60 عامًا

08 - يوليو - 2020
يعيد "مسبار الأمل" الذي تطلقه دولة الإمارات خلال الأسبوع المقبل إحياء حلم عالمي امتد لما يناهز الـ60 عامًا، وارتبط بتحقيق تقدم علمي فارق في فهم طبيعة "الكوكب الأحمر" ومدى مواءمته للحياة البشرية. وعلى الرغم من أن محاولات الوصول للمريخ تعود إلى عام 1960، فإن تحقيق تقدم في حجم المعرفة البشرية حول أسرار المريخ اصطدم بعدة تحديات أهمها فشل ثلثي المحاولات في الوصول إلى الكوكب الأحمر. وترجع أولى المحاولات للاتحاد السوفيتي الذي حاول إرسال أول مسبار للمريخ أُطلق عليه اسم "MARSNIK1"، ولكنه فشل في الخروج من المدار الجوي للأرض. وفشلت 10 محاولات أخرى للاتحاد السوفيتي، حتى عام 1971 عندما نجح المسبار "Mars 3" في الوصول إلى وجهته، ودرس الكوكب الأحمر لمدة 8 أشهر من خلال الدوران حول الكوكب، قبل أن يهبط على سطحه وجمع معلومات لمدة 20 ثانية فقط. وعلى مستوى الولايات المتحدة كانت أول محاولة عام 1964 عبر المسبار "Mariner 3"، ولكنه فشل بسبب عطل فى الألواح الشمسية المثبتة على جانبي المسبار، مما جعل تحليقه صعبًا حول المريخ؛ ولكن المسبار "Mariner 4" الذي تم إطلاقه في نفس العام نجح في مهمته بأن يكون أول مسبار يدرس سطح كوكب المريخ من كثب، إذ تمكن من إرسال، ولأول مرة، حوالى 22 صورة للكوكب الأحمر بعد أن استطاع التحليق بالقرب منه.
أول رحلة ناجحة
وكان أول نجاح لرحلة استكشافية إلى كوكب المريخ قد تحقق في عام 1965، بتحليق القمر الصناعي "Mariner 4" التابع لوكالة "ناسا" الأميركية، بتقنية التحليق بالقرب من الأجرام، والذي أرسل 22 صورة فوتوغرافية قريبة للكوكب، وتلا ذلك عدة رحلات استكشافية نجحت في الدوران حول الكوكب الأحمر والتقطت صورا عالية الجودة سمحت للعلماء بالبدء في استكشاف قصة ذلك الكوكب.
رحلات استكشافية
وفي عام 1976، صنعت المركبتان الفضائيتان "فايكينغ-1 و2" التاريخ بالهبوط على سطح الكوكب والعمل بكامل طاقتها، لتوفر بذلك سنوات من التصوير عالي الدقة للسطح، ومن ثم قياس وتحديد عناصر سطح الغلاف الجوي له، وإجراء تجارب علمية للبحث عن أي أثر للحياة على سطحه. وفي عام 1997، تمكنت المركبة "مارس باثفايندر" التابعة لوكالة ناسا من الهبوط بنجاح على سطح المريخ باستخدام نظام ضخم من الأكياس الهوائية لتخفيف وطأة الهبوط، وعملت على إرسال الروبوت "سوجورنر" المزود بعجلات للسير على سطح الكوكب الأحمر. وعلى مدار ما يقرب من 3 أشهر، أرسلت المركبة أكثر من 17000 صورة و15 تحليلا كيميائيا للصخور والتربة إضافة إلى بيانات واسعة النطاق عن الطقس. وفي عام 2002، تم اكتشاف جليد ماء مدفون على سطح المريخ، وأعقب ذلك إرسال مركبتين جوالتين هبطتا في منطقتين مختلفتين من الكوكب ووجدتا دليلا قويا على أن المياه السائلة كانت على سطح الكوكب منذ أمد بعيد، كما قامت البعثات بحفر وتحليل التربة الجليدية في المنطقة القطبية وعثرت على علامات تدل على إمكانية العيش هناك، بما في ذلك وجود مياه سائلة وكيمياء التربة التي يحتمل أن تكون مواتية للحياة، بالإضافة إلى الهبوط لدى فوهة "غيل"، حيث وجد أن الظروف كانت مناسبة في وقت ما للحياة الميكروبية القديمة على المريخ، وقد تم جمع بيانات الإشعاع لمساعدة في حماية رواد الفضاء مستقبلًا. ويستضيف كوكب المريخ عدد من المركبات الفضائية، بعضها تسير في مداره والبعض الآخر على سطحه، ومن المقرر أن تقوم المركبة "مارس 2020 روفر"، التابعة لوكالة ناسا، بدراسة مدى توافر الموارد مثل الأوكسجين وإجراء تحقيقات علمية واستكشافات تقنية غير مسبوقة. وتشتمل بعثات الاستكشاف المستقبلية إلى المريخ كل من بعثة "مسبار الأمل" الإماراتية ومركبة "إكسو مارس" التابعة لـ"وكالة الفضاء الأوروبية" وروسيا الاتحادية خلال هذا العام، بهدف البحث عن حياة مجهرية في الماضي والحاضر، وبعثة المريخ الصينية لعام 2020، و"بعثة المريخ المدارية 2" التابعة لـ"منظمة البحوث الفضائية الهندية" خلال الأعوام 2021 – 2022 لمتابعة البعثة الأولى التي انطلقت عام 2014. وتعتزم شركة "سبيس إكس" إطلاق مركبتها "بيغ فالكون روكيت" إلى المريخ مع مسافرين على متنها عام 2024. ورغم تلك القائمة الطويلة من الرحلات إلى المريخ، فإنه علينا أن نتذكر أن كوكب المريخ لم يزل معروفًا بكونه هدفًا صعب المنال للاستكشافات الفضائية، فضلًا عن إخفاق نحو ثلثي مجموع المركبات الفضائية التي تم إطلاقها صوبه من إنجاز مهامها.

لماذا المريخ؟
وتعود أسباب تسارع وتيرة السعي وراء استيطان المريخ إلى الإجماع العالمي حول قضية الكثافة السكانية على كوكب الأرض، والتي يتوقع أن تؤدي إلى استنفاد سريع للموارد الطبيعية، وانقراض أنواع من الحيوانات بالكامل وعلى نطاق واسع؛ الأمر الذي يهدد الجنس البشري نفسه، لذلك أصبح البحث عن كوكب بديل يمكن للبشر الاستقرار على أرضه أمرا لا مفر منه، وأولوية لدى الحكومات ورجال الأعمال المعنيين حقا بالمساهمة في إنقاذ البشرية. وشكل التشابه بين كوكبي المريخ والأرض والقرب النسبي بينهما بمتوسط مسافة 225 مليون كيلومتر أبرز الأسباب التي جعلت الكوكب الأحمر مرشحا رئيسا للاستكشاف وهدفا للدراسة باعتباره كوكب محتمل للعيش فيه مستقبلا.
يحتل كوكب المريخ المرتبة الرابعة من ناحية البعد عن الشمس، وهو ثاني أصغر كواكب النظام الشمسي، حيث يبلغ قطره نصف قطر كوكب الأرض ويدور حوله قمران هما "فوبوس" و"ديموس". ويمتاز كوكب المريخ بأنه كوكب صخري من النوع الأرضي، مع سطح صلب غيرته البراكين والرياح والحركات القشرية والتفاعلات الكيميائية. ويبلغ متوسط درجة الحرارة على سطحه 63 درجة مئوية، ويتمتع بغلاف جوي رقيق يوفر له الحماية من الإشعاعات الكونية والشمسية، ويتألف هذا الغلاف في الغالب من غازات ثاني أوكسيد الكربون والآرجون والنيتروجين وكمية صغيرة من الأوكسجين وبخار الماء. ويعرف باسم الكوكب الأحمر بسبب أكسدة المعادن الحديدية في تربته "الصدأ"، بما يضفي اللون الأحمر على التربة والجو. وتبلغ الجاذبية على سطحه نحو ثلث الجاذبية على كوكب الأرض. ويستغرق يوم المريخ ما يزيد قليلا على 24 ساعة، وتعادل سنة المريخ 687 يوما على كوكب الأرض. ولا يدعم سطح المريخ بوضعه الحالي أي حياة فوقه، غير أن متوسط درجة الحرارة ليس شديدا للغاية بوجود الحلول الواقية للبشرة، إضافة إلى أن تربته تحتوي على المياه التي يمكن استخراجها، كما أن هناك قدرا كافيا من ضوء الشمس يصلح لأخذه في الاعتبار كمصدر محلي للطاقة باستخدام الألواح الشمسية. وحظي سطح الكوكب الأحمر بزيارات عديدة لمركبات فضائية، بما في ذلك الرحلات التي حلقت حول الكوكب والمركبات المدارية إلى المسابير والمركبات الاستكشافية لسطحه لجمع المزيد من المعلومات عن الكوكب والتجهيز للرحلات الاستكشافية المستقبلية. ومع ذلك، فإن الأرض والمريخ يستقران على مدارين مختلفين حول الشمس، أي أن المسافة بين الكوكبين تتباين بشكل كبير، ولا تتاح نافذة إطلاق الرحلات الاستكشافية على النحو الأمثل إلا كل 26 شهرا، مما يحد من فرص إطلاق المركبات الفضائية لتحط على سطح الكوكب الأحمر بشكل كبير.
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ