تجارة الجنائز عند الفراعنة

05 - مايو - 2020
منذ اكتشاف الباحثين لمركز دفن فرعوني متكامل في مصر، قبل عامين، والأبحاث في مدافن الفراعنة تتخذ شكلا جديدا، حتى تم مؤخرا توثيق جميع ما توصلوا له عن "عالم الموت" عند الفراعنة. وتعود القصة لعام 2018، عندما اكتشف علماء الآثار "جنازة" مصرية قديمة عميقة تحت رمال سقارة، مدينة الموتى المترامية الأطراف، والتي تقع على ضفاف النيل على بعد أقل من 32 كيلومترًا جنوب القاهرة.
وفي العامين التاليين، أسفر التحليل الشامل للاكتشافات الجديدة في المقابر عن الكثير من المعلومات حول "عالم الموت" في مصر القديمة، حسب ما أشار له تقرير منبثق على فيلم وثائقي لقناة "ناشيونال جيوغرافيك" العالمية. وعلى مدى القرون الماضية، ركز علم الآثار في أرض الفراعنة على الكشف عن النقوش والتحف من المقابر الملكية بدلا عن تفاصيل الحياة اليومية. ورش التحنيط كانت موجودة في المقابر في جميع أنحاء مصر، ولكن تم تجاهلها عبر أجيال من الباحثين، هرعوا للوصول إلى المقابر تحتها. ولكن الآن مع الاكتشافات في سقارة، يتغير كل ذلك مع اكتشاف الأدلة الأثرية لعالم ثري من "تجارة الجنازة"، وتوثيقها بالتفصيل للمرة الأولى.
حس تجاري
وقال "رمضان حسين"، عالم المصريات لدى "جامعة توبنغن" في ألمانيا: "الأدلة التي اكتشفناها تظهر أن المحنطين لديهم حس تجاري جيد جدا.. لقد كانوا أذكياء للغاية بشأن توفير الاختيارات للموتى". من الأمثلة التي ضربها حسين، الأقنعة التي تغطي وجه الشخص المتوفى، والتي تكون أحيانا من الذهب والفضة، ولكنها في أحيان أخرى تكون من مواد تحمل نفس اللون والبريق، ولكنها أقل تكلفة، مما يعني أن المحنطين وفروا اختيارات أقل تكلفة لمن لم يستطيعوا تحمل تكلفة القناع الذهبي. وخلال بحثه الدؤوب في سقارة، عثر حسين وفريقه من الباحثين على غرفة كبيرة جدا، اكتشف لاحقا أنها ورشة تحنيط أثرية، تحمل قوة إنتاجية هائلة وقنوات تصريف لتدفق الدم، ونظام تهوية طبيعي. ومثّل اكتشاف حسين هدية ثمينة للعلماء الذين يدرسون ممارسات الدفن المصرية القديمة، ويقدمون نظرة فريدة على الطقوس المقدسة -والوقائع الجريئة - للتحنيط.
ووفقا "لناشيونال جيوغرافيك" العالمية، اعتقد المصريون القدماء أن الجثمان يجب أن يبقى سليما لإيواء الروح خلال الحياة الآخرة، فكان التحنيط مزيجا من الطقوس المقدسة والإجراءات الطبية. وكانت العملية عبارة عن طقوس مدبرة بعناية، حيث تم أداء طقوس وصلاة محددة يوميا على مدار 70 يوما لتحويل الشخص الميت إلى مومياء. وقال حسين إن قطاع العمل في الجنازات والدفن كان "صناعة ضخمة" في مصر القديمة. ولعل الأهرامات الشاهقة للفراعنة والذهب البراق في قبر الملك "توت عنخ أمون"، هي لمحات للتذكير بتقاليد الفراعنة الذين أنفقوا الكثير لتأمين "حياة أبدية" راقية، لما بعد الموت. وفي حين تم تحنيط نخبة الفراعنة في توابيت مزخرفة بشكل متقن ومقابر واسعة مليئة بالسلع الثمينة، أظهر بحث أعده حسين أن المتعهدين القدماء قدموا حزما للدفن تناسب كل ميزانية. وفي المصطلحات التجارية اليوم، كانوا يلائمون جميع متطلبات السوق، إذ قدموا كل شيء بدءا من نزع الجثث والدفن إلى رعاية وصيانة أرواح المتوفين، كل ذلك مقابل رسوم بالطبع.
مقابر تلائم كل المستويات
وعلى بعد خطوات قليلة من ورشة التحنيط في سقارة ، اكتشف علماء الآثار عمودا ثانويا يؤدي إلى مجمع من 6 مقابر. داخل تلك القبور الستة كانت أكثر من 50 مومياء. وفي الجزء السفلي من العمود -حوالي 3 أمتار تحت السطح، حيث كانت الأماكن أكثر تكلفة بسبب "قربها" من العالم السفلي- كانت المدافن متقنة ومكلفة بشكل خاص. وكان من بينهم امرأة وضعت داخل تابوت من الحجر الجيري يزن 7 أطنان ونصف. وفي غرفة مجاورة كانت امرأة وجهها مغطى بقناع مصنوع من الفضة والذهب، كان هذا أول قناع يتم العثور عليه في مصر منذ أكثر من نصف قرن. لكن المجمع كان يضم أيضا مصريين من الطبقة المتوسطة أو الطبقة العاملة مدفونين في توابيت خشبية بسيطة، أو ملفوفة فقط بكتان موضوعة في حفر رملية.
وباستخدام أدوات رسم الخرائط ثلاثية الأبعاد، تمكن حسين من تجميع كيفية ترتيب المدافن. وشمل المجتمع المصري القديم فئة كاملة من الكهنة مكرسين لرعاية أرواح الموتى. وتضمن وصف وظيفتهم، هي الحفاظ على القبور والصلاة من أجل أصحابهم المغادرين. وللمرة الأولى، تؤكد الأدلة الأثرية ما تم استنتاجه عن طريق النقوش والوثائق القانونية القديمة منذ آلاف السنين. وقال موقع "ناشيونال جيوغرافيك" العالمية إن هذه الاكتشافات هي جزء من التحول في علم المصريات: حيث يبحث العلماء بجد أكثر عن التفاصيل التي تركز على حياة المصريين العاديين، بدلا من التركيز على أفخم المقابر. وأثناء بحثه عن تقارير حفر قديمة، أدرك حسين أن العمود المؤدي إلى ورشة التحنيط كان على بعد أقل من متر، حيث توقفت الحفارات الفرنسية والمصرية في عام 1899. وكانت الغرفة ومحتوياتها مخفية بالرمل الذي جرفوه على عجل.

المصدر: سكاي نيوز عربية
موضوعات ذات صلة
  • الفراعنة

    في عام 730 ق.م. قرر قائد إفريقي يدعى بعنخي الأول، غزو مصر "لإنقاذها من نفسها" حسبما تذكر النقوش التاريخية. وبالفعل، بعد حملة عسكرية دامت عاماً كاملاً

  • الفراعنة السود الفراعنة السود

    بقلم: روبرت درايبر عدسة: كينيث غاريت وقد ظل بعنخي على مرّ عقدين من الزمن يحكم مملكته في النوبة، وهي منطقة من إفريقيا يقع الجزء الأكبر منها بالسودان ا

  • مسحــوق جنــائي من مصر القديمة

    من المنتظر أن يتلقى محققو مسرح الجريمة مساعدةً من أرض الفراعنة. فقد أظهر بحث جديد أن خضاباً يُدعى "الأزرق المصري" -صُنِّع قبل نحو 5250 سنة- يمكن أن يُ

  • توت عنخ آمون قد يحل لغز الملكة نفرتيتي

    د ب أ - صحيفة الاتحاد كشفت نتائج أولية لمسح راداري لمقبرة "توت عنخ آمون" بمدينة الأقصر بصعيد مصر، عن فجوة بعمق 15 مترا خلف الجدار الغربي للمقبرة. وجر

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ