التعرض للشمس يطيل العمر

21 - أغسطس - 2016
جريدة الخليج- محمد هاني عطوي
إزاء الارتفاع الكبير في عدد الإصابات بسرطان الجلد التي زادت أكثر من ثلاث مرات خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، تزايدت منذ بداية عقد التسعينات حملات الوقاية من هذا المرض، المرتبط بالأشعة فوق البنفسجية، وجميعها ترفع شعار الحماية من أشعة الشمس والابتعاد عنها. وفي السنوات الأخيرة، تبين أن المبالغة في الحماية من أشعة الشمس، أو الابتعاد عنها فترات طويلة، لهما آثارهما السلبية أيضاً، بل إن الدراسات الحديثة تشير إلى أن التعرض بدرجة مقبولة لهذه الأشعة، يساعد على الوقاية من بعض الأمراض، إلى درجة تجاوز خطر الإصابة بسرطان الجلد. يؤكد أطباء الأمراض الجلدية أن التعرض المفرط لأشعة الشمس، وتحديداً فوق البنفسجية، يتسبب بحدوث الطفرات الوراثية، إضافة إلى تعزيز ظهور تجاعيد البشرة، فضلاً عن كونه السبب الرئيسي للإصابة بسرطان الجلد.

في المقابل، تشير بعض الدراسات إلى أن تجنب أشعة الشمس تماماً، قد يكون في نهاية المطاف أكثر ضرراً بالصحة، وهو ما قد يكون أمراً مفاجئاً للكثيرين. الدراسة الأولى التي نشرت في العام 2011، تابعت على مدى 15 عاماً نحو 40 ألف امرأة سويدية، أعمارهن بين 30-49 عاماً، وقامت بتحليل معدلات الوفيات بينهن على أساس طريقتهن في التعرض للشمس. وبينت الدراسة أن النساء اللاتي خصصن أكثر من أسبوع واحد في السنة للتعرض للشمس، كان معدل الوفيات بينهن، الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية، خلال أول 15 عاماً من المتابعة، أقل بنحو 30% من النساء اللاتي لم يستفدن من عطلاتهن للحصول على حمام شمس. وفي العام 2014 نشر نتائج مشابهة بعض الباحثين السويديين، الذين تابعوا 30 ألف امرأة على مدى 20 عاماً. هذه المرة، انخفض معدل الوفيات - الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية، وغيرها من أسباب الوفيات التي لا يزال يتعين على الباحثين تحديدها ، إلى النصف في حالة الذين يقضون عطلاتهم في الشمس.


الكشف غير المتوقع جاء من خلال دراسة دنماركية نشرت في 2013، تشير إلى أن الأشخاص الذين شخصت إصابتهم بسرطان الجلد، كان متوسط أعمارهم المتوقع أعلى بصفة عامة، من بقية الأشخاص الأصحاء من العمر نفسه. هذه النتائج يأخذها ريتشارد ويلر، مختص الأمراض الجلدية، على محمل الجد حيث يقول في تصريح استفزازي: من الآن فصاعداً يمكنني أن «أهنئ» مرضاي عند تشخيص هذا النوع من السرطان لديهم. و يرى ويلر أن الشمس، وبالتوازي مع تأثيرها المسبب لسرطان الجلد، تحمينا من أمراض أخرى، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية، حتى إنها عند مستويات معينة من التعرض لأشعتها تساهم في زيادة سنوات الحياة. بيلي يندكفيست، الباحث في «معهد كارولينسكا» بالسويد، الذي شارك في الدراستين السويديتين المشار إليهما، يقول: يتخذ منحنى الخطر شكل حرف «U»، وهذا يعني أنه في حالة التعرض المفرط لأشعة الشمس، فإن خطر الإصابة بسرطان الجلد يكون أكثر أهمية من الفوائد المحتملة مقابل أمراض أخرى. ولكن عندما لا نتعرض لأشعة الشمس بما فيه الكفاية، فإن زيادة الخطر المرتبطة بالأمراض الأخرى تصبح هي الأهم. ويعترف يندكفيست بأنه إذا كان هذا العدد الكبير من الدراسات قد بدأ ينمح الناس الأمان، فإن الأمر يحتاج إلى كثير من الدراسات لإزالة جميع الشكوك، وأن تجرى الاختبارات على أناس ذوي ألوان بشرة مختلفة، ويعيشون في مناطق تقع عند خطوط العرض الأخرى، لضمان إمكانية تعميم النتائج التي سيتوصل إليها الباحثون.


نتائج مخيبة للآمال إلى ذلك، فإن القول بفائدة أشعة الشمس، تدعمه دراسات كثيرة حول دور فيتامين D، أو (د)، أجريت على مجموعات سكانية مختلفة في السنوات الخمس عشرة الماضية. هذا الفيتامين الذي يسبب نقصه الكساح (أحد أمراض العظام) عند الأطفال، يتم إنتاجه بشكل رئيسي في الجلد تحت تأثير الشمس. إضافة إلى ارتباط وجود مستوى مرتفع من فيتامين (د) في الدم، بانخفاض مخاطر التعرض للعديد من الأمراض منها: أمراض السرطان (القولون والثدي والبروستاتا)، والأمراض المعدية (الإنفلونزا)، وأمراض القلب والتمثيل الغذائي (داء السكري من النوع 2، ارتفاع ضغط الدم)، والمناعة الذاتية (التصلب المتعدد، التهاب المفاصل). هذه الملحوظات التي تقدم آلية تفسيرية لفوائد الشمس، دفعت إلى التفكير في استبدال التعرض لأشعة الشمس بتناول مكملات فيتامين D، من أجل الحصول على فوائد أشعة الشمس، من دون أن نعاني آثارها الضارة.


اختبر علماء وباحثون أكثر من مرة، آثار التعرض للمصابيح الكهربائية، أو تناول كبسولات من فيتامين (د) لكن النتائج كانت مخيبة للآمال. ووفقاً لريتشارد ويلر، فإن توفر مستويات عالية من فيتامين (د) وحالة صحية جيدة، لا يربطهما إلا أن كليهما نتيجة مترتبة على الظاهرة نفسها، وهي التعرض للشمس. وفي العام 2009، أثبت باحثون ألمان أن الأشعة فوق البنفسجية تؤدي إلى انخفاض ضغط الدم، عن طريق إطلاق أوكسيد النيتريك. وفي العام 2014، أخضع فريق بريطاني أسترالي، يرأسه ريتشارد ويلر، الفئران لنظام غذائي دهني، وتبين أن تعريض تلك الفئران للأشعة فوق البنفسجية، ساهم في تسريع عمليات الأيض في الخلايا لوجود أوكسيد النيتريك، ووقاها من السمنة وما يرتبط بها من اضطرابات أيضية. وهذا يمكن أن يفسر حسب بعض الدراسات، لماذا يكون الناس أكثر نحافة في فصل الصيف، ذلك لأن نسبة الكوليسترول لديهم تكون منخفضة، ويمكنهم السيطرة على نسبة السكر في الدم.

انتهى
موضوعات ذات صلة
  • مصابيح الشمس الهندية

    يُشغِّل "براشانت ماندال" مصباحاً صغيراً يعمل بتقنية (LED) داخل الكوخ الذي يعيش فيه مع زوجته وأربعة أطفال. شَعَّ من المصباح نور بلون أصفر فاقع، انعكس ل

  • أعمارنا ستتجاوز الـ 90 عاما عام 2030

    لندن - رويترز توقعت دراسة دولية كبيرة أن يزيد متوسط العمر في كثير من البلدان بحلول عام 2030 وأن يتجاوز 90 عاما في بعض الأماكن وأشارت إلى أن الأمر سيت

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ