ههنا كوكب أزرق! خريطـة للأغراب

01 - أكتوبر - 2020

قلم: ناديا دريك و سكوت رانسوم

قد تُرشد الخريطةُ التي أرسلتها وكالة "ناسا" إلى الفضاء عام 1972، أو نُسختُها المعدَّلة عام 2020، الكائناتَ الفضائية إلى مكان الأرض. لكن هل هي فكرة صائبة؟

صمم علماء الفلك قبل نصف قرن مضى خريطةً لتدل على الأرض من أي مكان في مجرَّتنا، ثم أرسلوها إلى الفضاء ظنًّا منهم أن أي كائنات فضائية ذكية بما يكفي لاعتراض سبيل مركبة فضائية، قد تفك رموز الخريطة وتكشف مصدرها. ولقد استخدم كثيرٌ من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية عناصرَ من هذا الموضوع في البناء الدرامي؛ على أن المسألة بحد ذاتها ليست مستوحاة من الخيال العلمي، بل حقيقة. الواقع أن هذه الحكاية لطالما شكلت جزءًا من موروث عائلتي حتى قبل مولدي؛ وسمعت وأنا أترعرع قصصًا عن الخريطة، ورأيت صورها على كثير من المركبات التي أُرسلت في مَهمات فضائية. وقبل سنوات، عثرتُ على خبيئة والدَيَّ: المسار الأصلي نحو الأرض مرسومًا بقلم الرصاص.
كان ذلك الاكتشاف مثيرًا؛ لكن سرعان ما خاب الأمل: فتلك الخريطة الأصلية لن تَصلح فترة أطول، من الناحية الكونية؛ ذلك أن المَعالم التي تعتمدها ستختفي في غضون عشرات ملايين السنين، وإن لم يحدث ذلك فإن الخريطة ستشير إلى موطننا فترةً وجيزة من أصل الـ 200 مليون إلى 250 مليون سنة التي تستغرقها الشمس ونجوم مجاورة أخرى للدوران مرة واحدة حول "درب التبانة". أكيد أنَّ رصْد كائنات فضائية هذه الخريطةَ هو أمرٌ مستبعد من الناحية الفلكية؛ ولكن إنْ حدث ذلك، فستكون خريطةً متجاوَزة ومعدومة الفائدة، وذلك ما ينافي الغاية منها.
ما مسوغ وجود هذه الخريطة أصلًا؟
كان ذلك في ديسمبر 1971، وكانت وكالة "ناسا" تستعد حينذاك لإطلاق المركبة الفضائية "باينير 10" لِتَمُرَّ بمحاذاة المشتري وتستطلع أول مرة هذا الكوكب الأكبر في مجموعتنا الشمسية. المثير للدهشة أن مرور المركبة بمدار المشتري قذفها في مسار بين النجوم؛ ما جعلها أول جسم من صنع البشر يغادر المجموعة الشمسية. استقر في ذهن عالم الفلك "كارل ساغان" -ببعض المساعدة من أصدقائه- أنْ تحْمل المركبة تحيةً من البشرية: رسالة تُعرِّف صُنَّاع باينير وتُخلد ذِكراهم وتكون قابلة لتأويل من يَجدها. وافقت "ناسا"، ومنحت كارل أقل من شهر لتصميم تلك الرسالة. هنالك دخل فصـولَ الحكايةِ صديقُ كارل، عالم الفلك "فرانك دريك"، الذي هو والدي. ومن أبرز إنجازات هذا الأخير، إطلاق أول بحث علمي عن آثار كائنات فضائية، وتصميم إطار لتقدير عدد الحضارات الفضائية التي يمكن رصدها في مجرة درب التبانة.
طلب كارل إلى والدي المساعدة في إنجاز الرسالة وهما في بورتو ريكو لحضور اجتماع "الجمعية الفلكية الأميركية". يَذكر والدي أنهما سرعان ما توصلا في بهو الفندق إلى أفكار حول ما ينبغي تضمينه: رسومات خَطّية تُصوِّر البشر، ورسمًا للمركبة الفضائية.. و"في اللحظة التالية، خطرت لنا فكرة خريطة مَجَرِّية تشير إلى موقع الأرض في الفضاء"، يقول والدي. صمم والدي تلك الخريطة، وفي عام 1972 طارت نحو الفضاء على متن "باينير 10". وفي العام التالي، أُطلقت مركبة "باينير 11" حاملةً معها الخريطة مرورًا بكوكب زحل ومن ثم إلى ما بين النجوم. وفي عام 1977، غادرت مركبتَا "فويجر" الأرض حاملتين معهما دليل والدي للعثور على كوكبنا، منقوشًا على غلاف "التسجيل الذهبي". كانت الطريقة التي صمم بها والدي الخريطة تشير إلى الأرض في الزمان والمكان معًا؛ ما يجعلها نظام تحديد مواقع مجرِّيًا (ما يشبه نظام "جي. بي. إس." اليوم) بأبعاد أربعة. لم يقلق والدي وكارل حينئذ أن تكون الكائنات الفضائية التي قد تعثر على رسالتهما، من الأشرار.

كيف أُنجزَت الخريطة؟
إن "حَيَّنا" المجرّي لا يحوي لافتات شوارع واضحة، ومن ثم لم يكن بالأمر الهين إنجاز خريطة تشير إلى كوكب من بين مليارات (ومليارات) العوالم التي تؤثث درب التبانة. إن العثور على الأرض يعني العثور على النظام الشمسي، والشمس تكاد تكون غير ملحوظة. وليس ثمة حقًّا سبيل إلى تمييزها عن مئات المليارات من النجوم الأخرى في المجرة، حيث يسبح كلٌّ منها في فلكه حول مركزها ويُغيّر ببطء مواقعَه بالنسبة إلى جيرانه. مفاد هذا التدافع النجمي أن هذه الكوكبات المتلألئة في سماء الأرض لن تكون نفسها في المستقبل القريب، وأنّ النجوم لا تصطف على الشكل المعلوم نفسه من أي مكان آخر غير حَيِّنا الشمسي. والواقع أن "بولاريس" لن يكون "النجم القطبي" بعد نحو 2000 سنة، تمامًا كما لم يكن نجمًا قطبيا على عهد قدماء مصر وبابل والصين. إذن ما العمل؟ رغم أن النجوم العادية ذات اللب النووي الجياش قد لا تكون ذات بصمات مميزة، أدرك والدي أن النجوم النابضة -بقايا النجوم التي كانت في ما مضى أكبر من الشمس- يمكن تحديدها والتعرف إليها على نحو فريد. اكتُشفت النجوم النابضة عام 1967، وهي تدور بسرعة كبيرة، غالبا ما تناهز مئات المرات في الثانية الواحدة. ويستطيع علماء الفلك بواسطة تلسكوبات راديوية قوية قياس دورانها على نحو غاية في الدقة؛ ما يعني أن كلًّا من بقايا هذه النجوم يخلّف توقيعه الخاص في الفضاء. انتقى والدي 14 نجمًا نابضا قد تساعد في تثليث موقع الأرض، ورمّزَ معلومات بشأن معدلات دورانها في الخريطة.

إنها ليست خريطتك النموذجية
تبدو خريطة النجوم النابضة التي أَعدَّها والدي كعلامة نجمية رائعة، وانفجار شعاعي لخطوط متدرجة تتقاطع عند موقع نظامنا الشمسي. وإليك، باختصار، كيفية عمل خريطته: يربط كل من الخطوط الأرضَ بنجم نابض. العلامات هي أرقام ثنائية تبين معدل دوران النجم النابض (في زمن تصميم الخريطة)، وتتناسب أطوال الخطوط تقريبا مع المسافة. وبعض النجوم النابضة على خريطة والدي -"راب" و"فيلا"، على سبيل المثال- يقع في مراكز سدائم جميلة نشأت خلال تشكلات النجوم العنيفة. ويُفترض أن أي حضارة ذكية بما يكفي لرصد مركبة فضائية تسبح ما بين النجوم، تَعلم بأمر النجوم النابضة. ومن ثم فإن ربط فترات الدوران على الخريطة بالإشارات النجمية في السماء سيمَكّن الكائنات الفضائية من العثور على طريقها نحو الأرض بسهولة نسبية.
فضلا عن ذلك، فإن خريطة والدي تشير إلى الأرض في البعد الرابع بحكم أن طاقة النجوم ناتجة عن دورانها الذي يتباطأ بمرور الزمن. وبحساب الفارق بين فترات الدوران المرصودة والمشفَّرة -وهو فارق يظهر بعد آلاف السنين- قد تستطيع الكائنات الفضائية معرفة زمن إنجاز الخريطة. قد يكون من المدهش أن تسكن خريطة والدي الخيالَ الشعبي، إذ صارت شائعة في كل شيء، من القمصان إلى الوشوم. وأعتقد أن ثمة شيئا آسرًا في القدرة الدائمة على العثور على طريق العودة إلى الوطن، وإنْ بأوسع معنى كوني يخطر على البال.

ذاكرة عائلة: قصة حب
قبل أعوام خَلت، حدث أمران على قدر من الأهمية. أولّهما أنني عثرت على الخريطة الأصلية للنجوم النابضة، مرسومةً بقلم الرصاص ومُخزنَة في غير عناية داخل صندوق طماطم في دولاب والديّ. وثانيهما أنني ارتبطت بمتسلق صخور يدعى "سكوت رانسوم"، أحد أغزر علماء النجوم النابضة إنتاجًا في العالم. لطالما فكر سكوت في مركبتَيْ "فويجر" و"السجل الذهبي" وهو ابن العاشرة من عمره يتابع بولاية أوهايو برنامج "كوزموس" التلفزيوني الذي كان يعدّه كارل. بعد انقضاء أعوام وتحصيل شهادة دكتوراه في علم الفلك، أدرك الرجل أن خريطة والدي لها تاريخ انتهاء صلاحية في المستقبل القريب. كانت نقطة ضعفها هي نفسها الخاصية التي جعلتها تشير إلى الأرض في الزمن: فحركة النجوم النابضة تتباطأ، وتلك التي اختار والدي (من بين النجوم النابضة القليلة المعروفة في ذلك الوقت) ستتلاشى وتختفي في غضون ملايين السنين، مع هامش بضعة آلاف من السنين.
ومن قبيل المصادفة أن سكوت كان قد شرع في إنجاز خريطة جديدة أدق وأطول أمدًا؛ حتى قبل أن نعيش معًا وتندمج حياتنا معًا. والآن أكتب الكلمات التي تروي حكاياتنا، فيما ينجز سكوت الأعمال الخرائطية المهمة من قبيل اختيار النجوم النابضة واستنباط شفراتها الثنائية. ويقوم أحيانا بصياغة بعض المقاطع النصية، لكنكم لن تروني أبدا أتجرأ على إنجاز أعمال أكاديمية في علم الفلك.

خريطة جديدة أفضل تشير إلى الأرض
إن خريطة سكوت الجديدة بمنزلة نظام "جي. بي. إس." لكل الأزمان. إذ تشير إلى الأرض استنادًا إلى النجوم النابضة داخل درب التبانة وخارجه، على نحو غير مألوف. بدلًا من النجوم النابضة الأكثر شيوعا التي اختار والدي، تستخدم الخريطة الجديدة نجومًا نابضة أسرع يُحسَب دورانها بالمليثانية وتعيش أطول، ولها رفاق فلك نافقون. توفر هذه النجوم النابضة الثنائية مجموعة ثانية من المحددات: الفترة الفلكية للنظام، التي لا تتغير على مَرّ ملايين السنين، والأهم من ذلك أن النجوم النابضة المليثانية تشيخ على نحو أبطأ من النجوم التي تشتمل عليها خريطة والدي؛ ما يعني أن دورانها يستغرق زمنًا أطول آلاف المرات حتى تصير غير معروفة.
علاوةً على ذلك، أضاف سكوت طبقة أخرى من الإشارات: نجوم نابضة في مجموعات كروية تدور حول درب التبانة. تُعدّ المجموعات الكروية، وهي تكتلات نجمية أقدم من درب التبانة، عناقيد رائعة وغامضة في آن، كما أنها مصانع حقيقية للنجوم المليثانية. إن اشتمال خريطة سكوت على مَعالم إرشادية في هذه الكرات النجمية التي يصعب عدم ملاحظتها خارج المجرة، يتيح اكتشاف موقع الأرض على مَرّ مليارات السنين، حتى بعد أن تكون نجوم درب التبانة قد دارت حول مركز المجرة مرات عديدة وغيرت مواقعها واندثرت كوكباتها. وإحقاقًا للحق.. فوالدي يعتقد أن هذه الخريطة الجديدة فكرة مذهلة.

لكن ينبغي أن يقرأها أحدهم بادئ الأمر لا ريب أن خريطة والدي ما زالت هناك؛ لكن احتمال اعتراض مركبتَي "باينير" ومركبتَي "فويجر" يكاد يكون معدومًا. فعلى الرغم من أن تلك المركبات الفضائية الأربع تجوب ما بين النجوم، فالفضاء فسيح، كما أن أقرب النُّظم النجمية التالية تبعد عنا آلاف السنين. إلى ذلك، فإن المركبات الفضائية صغيرة الحجم وستكون خافتة في غضون العقدين المقبلين؛ ما يجعل من الصعب للغاية اكتشافها. وفي ما يتعلق بإرسال الخريطة الجديدة: لا يُرتقب إطلاق مسبار فضائي شبيه بمركبة "فويجر" في أي وقت قريب. لكن إذا وصلت هذه الخريطة إلى خارج نظامنا الشمسي واعترضت سبيلَها كائناتٌ فضائية ذكية، فستكون لهذه الأخيرة أسهل قراءةً وتتبعًا. يثير هذا الأمر كل ضروب الأسئلة: هل سيكون لتلك الكائنات الفضائية من الوسائل ما يبلغها الأرض عبر كل تلك المسافات؟ وإن كان الأمر كذلك، فماذا لو لم يأتوا رافعين شعار السلام؟ وماذا لو كانوا جائعين غاضبين؟ وماذا لو لم يكونوا نباتيين؟
إليكم السؤال الأساسي الذي لم يكبح جماح كارل ووالدي: هل من الجيد إرسال عنواننا إلى الفضاء على نحو عشوائي؟ قد لا يتحفظ بعض الناس اليوم على الأمر بحكم أن الإرسالات الأرضية تتسرب بالفعل إلى الفضاء وتنتقل بسرعة الضوء وهي قابلة للرصد من لدن أي كائن له تلسكوب راديوي لائق ويعيش على بعد نحو 100 سنة ضوئية عن الأرض. على حين، يرى أناس آخرون -من باب الحيطة- التريث في إعلان وجودنا.. إلى أن نعلم نيّات الكائنات الفضائية. أما أنا وسكوت، فسيسرنا أن نبعث الخريطة الجديدة في محاولة لضمان استمرار وجودنا بصفتنا نوعًا بشكل من الأشكال. وإن التُقطت الرسالة في نهاية المطاف بعد ملايين أو مليارات السنين في الفضاء، قد يعلم أحدهم أن الأرض كانت مأهولة، أو أنها ما زالت كذلك.. إن حالفها الحظ.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ