هل من ماء لغسل اليدين؟

01 - يوليو - 2020

قلم: نيلانجانا بوميك

هل سيحصل فقراء العالم على حاجتهم من الماء النظيف لغسل أيديهم.. وللشرب؟

"أَأتيتَ من مومباي لتعلمنا غسل اليدين؟". لم يتمالك أهالي القرية أنفسهم من الضحك من "يوسف كبير". يعمل الرجل لدى مكتب "اليونيسف" بمدينة مومباي، في قسم يحمل تسمية "ووش" (WASH، أي اِغسل). كان في جولة بمنطقة "لاتور" التي تبعد زهاء 400 كيلومتر عن شرق مومباي، للدعوة إلى نظافة اليدين بوصفها أحد سُبل حفظ الصحة. ففي لاتور، كما في أي مكان آخر بولاية "ماهاراشترا"، عَلِم كبير أن غسل اليدين ليس أولوية لدى عدد مهول من أهالي القرى؛ إذ "لم يكونوا يرون أي منفعة مباشرة لذلك"، على حد تعبيره. كان ذلك قبل زمن بعيد عن جائحة "كوفيد-19". في يوم 24 مارس، وهو اليوم نفسه الذي دعا فيه رئيس الوزراء، "ناريندرا مودي"، مواطني الهند -الذين يتجاوز عددهم 1.3 مليار نسمة- إلى المكوث في بيوتهم ثلاثة أسابيع على الأقل (وهي مدة مددها في وقت لاحق)؛ أصدر الباحثون في "جامعة بِرمِنغهام" البريطانية دراسة توثق لوجود صلة وثيقة بين حجم تفشي "كوفيد19-" في بلد معين، وضعف ثقافة غسل اليدين فيه. وقد سُجلت في الصين، منشأ هذه الجائحة في أواخر عام 2019، أسوأ النتائج؛ إذ أفاد 77 بالمئة ممن شملتهم الدراسة أنهم لم يكونوا يغسلون أيديهم مباشرة بعد استخدام المرحاض. ومع أن أداء الهند كان أفضل، فقد ذكر 40 بالمئة منهم أنهم لا يغسلون أيديهم لا بالصابون ولا من دونه بعد استخدامهم المرحاض. لكن تلك الدراسة أيضًا أُجريت قبل تفشي "كوفيد19-".
أما في العام الحالي، فإن الهنود ما فتئوا يتلقون هذه الرسالة على نحو غير مسبوق: غسل اليدين المتكرر بالصابون يدرأ الأمراض. وهم يتلقونها من حكومتهم الوطنية وحكومات الولايـات؛ وعـلى شبكـات التواصـل الاجتـماعي مـن نجوم "بوليوود" ومن أبطال رياضة الكريكِت؛ وفي رقصة ترفيهية تؤديها فرقة من رجال الأمن في ولاية كيرالا الجنوبية، بزيّهم الرسمي وهم يضعون أقنعة طبية على وجوههم ويرقصون في تشكيل متزامن ومتناسق على نغمات شعبية إذ يعرضون الأسلوب الأصح لغسل اليدين. ومع الانتشار المريع لفيروس "كورونا" في أنحاء العالم، الذي لم يَسلم منه الأغنياء ولا ذوو النفوذ والجاه، شعر الفقراء في أرياف الهند بضعفهم الشديد، حسبما يقول كبير؛ ما جعلهم أكثر تقبلا لتلك الرسالة. ويستطرد كبير قائلًا إن الصابون بات اليوم أحد أكثر المنتجات بيعًا في دكاكين القرى، بعد الأرز ودقيق القمح. وحتى قبل تفشي الجائحة، كان كبير يَسرد قائمة طويلة من الحجج لإقناع الناس بضرورة شراء الصابون وغسل اليدين. فقـد شهـد العـالـم في عـام 2018 وفـاة أكثـر من 800 ألف طفل دون سـن الخـامسة من جرّاء الالتهاب الرئوي، قضى منهم 127 ألف طفل في الهند. وأودى الإسهال، الذي عادة ما ينجم عن عدوى "الفيروس العجلي" (فيروس الروتا)، بحياة أكثر من 500 ألف طفل، يزيد عدد الهنود منهم على 100 ألف طفل. ويُعد غسل اليدين بالصابون خط الدفاع الأول في مواجهة كلا المرضين وأمراض "الكوليرا" و"الزحار" و"الالتهاب الكبدي أ." و"التيفوئيد". وتفيد "اليونيسف" أن هذا الإجراء يمكن أن يقلل خطر الإصابة بالإسهال بنسبة 40 بالمئة.
وثمة أمل يحدو النشطاء لدى قسم "ووش" -ومنهم كبير- بأن يدفع خوف الناس من "كوفيد19-" إلى الالتزام أكثر فأكثر بغسل اليدين حتى يُفضي ذلك في فترة ما بعد الجائحة إلى الحد بصفة دائمة من عبء هذا المرض في كثير من البلدان النامية. "ولعل ذلك يكون الجانبَ المشرق الوحيد لهذا المرض"، على حد تعبير "في كي مادهافان"، الرئيس التنفيذي لمنظمة "ووتر آيد"، فرع الهند. ويضيف قائلًا: "إن ما يحدث اليوم من تغيير ووعي حيال هذه المسألة، مقارنة مع الأسابيع القليلة الماضية، لهو أمر استثنائي".

لكن، ثمة عقبة كبيرة أمام تحقيق هذه الرؤية المفعمة بالأمل؛ ففي بعض الدول كالهند، لا يوجد ما يكفي من مياه نظيفة.
موضوعات ذات صلة
  • من قلب الحجر الصحي

    في زمن فيروس "كورونا"، يذهب أحد المصورين بعيدًا لالتقاط الصور. ثبَّت "غابرييل غاليمبيرتي" عمودَي إضاءة فوتوغرافية أمام نافذة خارج أحد المساكن. ثم ترا

  • لماذا باغتنا الفيروس؟

    بقيت تحذيرات الخبراء بشأن الجوائح الصحية محل تجاهل العالم طيلة عقود. وربما يكون تفشي "كوفيد-19" بدايةً لاعتماد نهج استباقي أكثر حزما وجدية. خلال الأس

  • الفيروس بمنظار العالم

    أُجبرنا على فراق أحبّتنا بفعل ظروف خارجة عن إرادتنا. لكن كيف لروح الإنسان أن تتحمل ذلك؟ إذا بدت من العالم قسوة، فإن "البيت هو المكان الذي.. ينبغي أن

  • شبح أزمة في الأفق حول.. المياه

    يعتمد نهر "السند"، وهو من الأنهار الجبّارة في العالم، على الأنهار الجليدية لجبال الهيمالايا والسلاسل الجبلية المجاورة لها، والتي تمده بتدفق مستمر من ا

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ