هل تحوّلنا الجائحة إلى كائنات افتراضية؟

01 - أغسطس - 2020

قلم: أوليفر وانغ

يَستحسن جِيلي العيشَ في العالم الافتراضي. لكن حين عزلتنا جائحةُ "كوفيد-19" عن العالم المادي، غاب شيءٌ ما.

اسمي مستوحى من كتب الأطفال حول شخصية "توماس محرك الدبابة". دأب أخي الأكبر على قراءة تلك الكتب، وكان القطار المُسمَّى "أوليفر، المحرك الغربي" إحدى شخصياته الأثيرة. استحسنت والدتي هذا الاسم؛ وبذلك سُمِّيتُ باسم هذا القطار. فضلا عن ذلك، كان الاسم يخدم غرضا شعريا: إذ أتيت إلى الوجود ومعي توأم مطابق؛ مما وضعني على مسارات متوازية مع أخي "إيثان". وإن عرفتم توائم، فلا بد أنكم سمعتم بقصة كهذه من قبل. فقد ارتدينا ملابس متشابهة وقُّص شعرنا على الشاكلة نفسها. كنا متشابهين ونلقى المعاملة نفسها. كنا معًا حيثما ذهبنا. حرصت أنا وإيثان، ونحن نكبر، على بلورة هويتين مستقلتين. نسجنا صداقات مختلفة، وارتدينا ملابس مختلفة. وغالبا ما تفادينا الحديث إلى بعضنا بعضا في المدرسة الثانوية. بعدها اختار كلٌّ منا جامعةً مختلفة وعشنا منفصلين أول مرة في حياتنا. استشعرت في الأمر إثارة: حياة من دون توأم، ومن دون أناس يظنونني شخصا آخر، ومن دون تلك القوة الخفية التي تجمعنا. بالمقابل، أوجست في نفسي خيفة من ذلك التغيير. كنت مطمئنا وإن ابتعد إيثان، لأني أعلم أنه هناك. كان دائما هناك بالفعل. وحيدًا في الجامعة. شعرت أني فقدت شيئا ما.
غالبا ما أتفكر في لحظة الانفصال الآن، مُذ انقلبت الحياة الطبيعية رأسًا على عقب واضطر الناس في كل مكان للعزلة بسبب ما تنطوي عليه جائحة "كوفيد19-" من خطر. فجأة تلاشى القرب المادي في حياتنا اليومية الذي عده كثيرٌ منا تحصيل حاصل. أتساءل ما سيعنيه ذلك لمستقبلي أنا، وللمستقبل إجمالا، ولمستقبل جيلي. أَدرس الفلسفة. وفي أحد بواكير الدروس وجدتُ -على سبيل المصادفة- تجربةً فكرية ابتدعها الفيلسوف "فرانك جاكسون" وتُعرف على نطاق واسع باسم "غرفة ماري". تقول الفرضية إن ماري، العالمة الألمعية، عاشت كل حياتها في غرفة بلا ألوان وكانت مُدخلاتها الحسية الوحيدة تأتي عبر شاشة تلفزيون بالأبيض والأسود. كان في متناول ماري معلومات غزيرة، وعرفت كل شيء عن إدراك الألوان؛ لكنها لم تعش تجربة رؤيتها. ولنفترض أنها خرجت من الغرفة في يوم من الأيام فرأت السماء الزرقاء ولحاء الشجر؛ هنا تساءل جاكسون: هل ستتعلم شيئا جديدا؟ هل يُعلمنا الاتصال المباشر بالعالم شيئًا ما كنا نعرفه عنه بالقراءة فقط؟ جواب جاكسون: أجل. نتعلم تلك الأشياء التي نفتقد بفعل عدم العيش في العالم المادي الذي يسميه جاكسون "الكيفات" (Qualia)، وهي في كل مكان: في الشمس والأرض والناس. إنها ما ينقص في الحياة الافتراضية البحتة.
منذ سنوات وأنا أعيش حدسًا مزعجًا يخبرني أن جل ما أحتاج إلى فعله قابلٌ للتحقق افتراضيا. فأنا أستطيع التحدث إلى أصدقائي، والكتابة، والقراءة، ورواية القصص، ومشاهدة التلفزيون، والاستماع إلى محاضرة، وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي. ومع بث جميع دروسي الجامعية على الإنترنت أواخـر شـهر مـارس المـاضي، زاد كَـم الأشـيـاء الـتي يمـكنني فعلها. وأُتيح لي تواصل أكثر مع أساتذتي على الإنترنت. ونقص حجم التشويش وتَيَسر الحصول على كثير من المواد. عدت إلى منزل العائلة خلال فترة الحجر المنزلي، لكن حياتي استمرت بالوتيرة نفسها. كانت والدتي -المعالجة الصحية- ما تزال تستقبل مرضاها، وأختي تستعمل تطبيق "زوم" لمتابعة دروس الثانوية. كل ما في الأمر أن كل شيء صار افتراضيا.. واقعا مختلفا.
هذا النوع من الحياة الافتراضية ضالةُ جيلي. لقد نشأتُ مع الحواسيب؛ فكنت أكبر سنًا فيما هي تصغر حجمًا وتزداد توافرًا. تعلم أترابي تصفح الإنترنت قبل آبائنا، واكتشفوا المغازلة عبر الرسائل النصية، وشكلوا مجموعات دردشة عبر الرسائل الفورية. بل كنت، قبل الجائحة، أقضي بعض ليالي إجازة نهاية الأسبوع وحيدا في الغرفة، وعلى وجهي انعكاس وميض شاشتَيْ الحاسوب المحمول والهاتف، أحادث أصدقائي عبر الإنترنت وأشاهد أبرز الأحداث الرياضية. بعد تخرجي، سألتحق بعمالة ما فتئت درجة افتراضيتها تزداد. فالحواسيب تعوض -أو ستعوض- البشر في كل قطاعات الاقتصاد: الصيارفة، وسائقي الشاحنات، وعمال المصانع. وكثير مـن الوظـائـف التي لم تختف بعد، تنتقل تدريجيًا إلى الإنترنت. وأظن أن جل أصدقائي سيعمل في مهن تتطلب النظر إلى شاشات الحواسيب أو التحدث عبر الهواتف. وقد ينـتهي بي المطاف -بوصفي كاتبا- عاملًا من البيت كل يوم. إني أُمضي بالفعل نصف حياتي على الإنترنت، من ثم فإن هذا الاحتمال لا يبدو نشازا. مع ذلك فإن هذا الواقع غريب.
موضوعات ذات صلة
  • من قلب الحجر الصحي

    في زمن فيروس "كورونا"، يذهب أحد المصورين بعيدًا لالتقاط الصور. ثبَّت "غابرييل غاليمبيرتي" عمودَي إضاءة فوتوغرافية أمام نافذة خارج أحد المساكن. ثم ترا

  • لماذا باغتنا الفيروس؟

    بقيت تحذيرات الخبراء بشأن الجوائح الصحية محل تجاهل العالم طيلة عقود. وربما يكون تفشي "كوفيد-19" بدايةً لاعتماد نهج استباقي أكثر حزما وجدية. خلال الأس

  • هل من ماء لغسل اليدين؟

    هل سيحصل فقراء العالم على حاجتهم من الماء النظيف لغسل أيديهم.. وللشرب؟ "أَأتيتَ من مومباي لتعلمنا غسل اليدين؟". لم يتمالك أهالي القرية أنفسهم من الضح

  • حينَ دخل الفيروس كينيا..

    قد يكون اتّقاء جائحة "كوفيد19-" ضربًا من الكماليات غير المتيسرة داخل الأحياء المكتظة بالسكان في نيروبي. لا تَعدَم الحياة وسيلةً للاستمرار حتى في وجود

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ