مهنة كريمة في حفرة كريهة!

01 - مايو - 2019

بقلم: أندريا بروس

يؤدي "الباياكو" في بورت أو برانس، عاصمة هاييتي، خدمة جليلة وأساسية لصون صحة المدينة. لكنهم في الوقت ذاته حريصون على ألا يعرف أحد طبيعة عملهم.

إليكم قصة أحدهم.. واسمه "إكسيليان سينات". إنه من "الباياكو"، وهو مصطلح هاييتي يُطلَق على العمال الذين يُفرغون حُفَر المراحيض. التقطتُ صورتَه إذ كان يقوم بتفريغ حفرة خاصة بمرحاض جماعي في بورت أو برانس. قد يبدو عَمَلُ إكسيليان هذا كريهًا، لكنه يمثل حلًا -وإنْ كان بسيطًا وبدائيًا- لمشكلة فتاكة، تتمثل في سوء نظام الصرف الصحي.
كنت قد كُلفت بتصوير تحقيق لحساب "ناشيونال جيوغرافيك" عن التغوط في العراء، ولم يزعجني الأمر كثيرًا. فقد نقلت أخبار الحروب والصراعات في أماكن عديدة لم يكن فيها الصرف الصحي من الأولويات. لذا، اعتقدت أن صعوبة الأمر تكمن في التقاط صور لافتة تعبر عن موضوع غير جذاب كهذا.. فنحن بصدد فعل غريزي يمارسه جميع البشر.
من الصعب أن تلاحق الناس في الحمّامات، أو أينما يذهبون لقضاء حاجتهم. كما لا يودّ أحد أن يتحدث عن أمر بديهي كهذا، فما بالك بمناقشته بطريقة من شأنها إحداث تغيير إيجابي في المجتمع. والحال أنه لا يمكن الحصول على مياه نظيفة من دون نظام صرف صحي ملائم.
يساعد الباياكو سكانَ هاييتي في التخلص من مشاكل جمّة ناتجة عن تغوطهم، لكن الناسَ يرشقونهم بأوصاف شنيعة، كما لو أنهم يتحرجون من احتياجهم إلى شخص من الباياكو لتنظيف فضلاتهم. لذلك، يعمل كثير من الباياكو في الليل ويخفون ما يفعلونه، حتى عن عائلاتهم؛ على أنهم يتحصلون على أجور عالية، ويَكثُر عليهم الطلب باستمرار. إنهم يحملون على عاتقهم أعباء نظام الصرف الصحي الهش في بورت أو برانس.
تَبَيَّنَ لي أن مسألة إيجاد شخص من الباياكو يقبل بالتقاط صور له، هي الجزء الأصعب في تلك المَهمة. وبعد محاولات على مرّ خمسة شهور، لقيتُ إكسيليان. كان متشوّقًا إلى توثيق عمله، لأنه يرفض وصف مهنته بالمخزية. إنه فخور بما يقوم به ويريد أن يحظى بالاحترام.
رتَّبتُ للقاء إكسيليان واثنين من زملائه في وقت متأخر من الليل داخل فناء يتوسط عدة منازل. وكان منقّح الصور الذي يرافقني قلقًا بشأن تلك الظروف التي سنؤدي فيها عملنا، لذا قمت بإحضار معدات واقية: كمامات وأوشحة (حتى لا نشم الرائحة) وكذلك معطف مطر (لحماية ملابسي). ولكن عندما حان أوان استخدام تلك المعدات، وجدتُني عاجزة عن استخدامها. فما كان لي أن أُشعر إكسيليان بأن مهنتَه مثيرة للاشمئزاز. إنها مهنته، التي لا يتقنها إلا قليل من الناس، وهو يؤديها على أتم وجه.
كان جل أنوار الفناء منطفئة، والعائلات تغط في النوم. لم تُفرَغ حُفرة المرحاض هنا منذ أكثر من عام. بدأ إكسيليان عمله بالنزول في الحفرة حتى يخرج طبقة الفضلات الأحدث. هنالك انتشرت في الأجواء رائحة كريهة. بادر زميلاه بإفراغ الفضلات في أكياس تشبه أكياس بذور قديمة، ثم أحكموا إغلاقها حتى لا يتسرب منها شيء. كانا يفوقان إكسيليان خبرة، لذا لم يشاركاه في القيام بأعمال تنظيف الحفرة.
موضوعات ذات صلة
  • فضلات الإبل.. وقود لإنتاج الإسمنت في الإمارات

    رويترز في مشروع يهدف لخفض الانبعاثات وإبعاد الفضلات عن مكب النفايات، ألوف الأطنان من فضلات الإبل تُحول إلى وقود لإنتاج الإسمنت بإمارة رأس الخيمة، في

  • مراحيض خضراء

    المرحاض مثل "لِقاح خارق؛ إذ يقضي على الأمراض حيث تُنتَج"، كما يقول "دولاي كوني" من "مؤسسة بيل وميليندا غيتس" الأميركية الخيرية. لكن نُظُم الصرف الصحي

  • علف للحيوانات من فضلات البشر

    رويترز زاد عدد البيض الذي يرقد فوقه الدجاج في مزرعة الكيني "فيكتور كيالو" إلى الضعف.. والفضل في ذلك يرجع إلى فضلات البشر. إذ يتغذى دجاج كيالو على أعل

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ