مرثاة أسد

01 - ديسمبر - 2018

بقلم: ديفيد كوامن

عدسة: مايكل نيكولس

في ميزان أعمار الأسود الإفريقية، فإن "سي-بوي" قد عاش حياةً أطول من المعدل العام.. حياة طالت ما يكفي لأن يصبح شهيراً على صفحات ناشيونال جيوغرافيك، ولأن يحظى بإعجاب القرّاء لصموده وروحه القتالية.

عند الحديث عن الأسود الإفريقية، فإن "الأسباب الطبيعية للوفاة" تشمل حالات القتل والإيذاء المصحوب بتشوية الجسد، والتي تحدث بصورة معتادة بين الأسود المتنافسة. "إن المسبب الأول لنُفوق الأسود في بيئة سليمة هو وجود أسود أخرى"، هذا ما سمعتُ في عام 2013 من "كريغ باكر"، خبير الأسود الأميركي. آنذاك كنا، أنا والمصوّر "مايكل نيكولس"، في تنزانيا لإجراء الشق الميداني لتحقيق صحافي عن سلوك الأسود ومحيطها البيئي؛ إذ أضحى "سي-بوي"، وهو أسدٌ فاتنٌ في ريعان شبابه يتمتع بلبدة رمادية يكتنفها السواد، الشخصيةَ المركزية لتحقيقنا الذي حمل عنوان "الحياة غير المديدة لكن السعيدة لأسد سيرينغيتي".. ذلك أنه كان استثناءً لتلك القاعدة الخاصة بآجال عيش الأسود.
فقبل أعوام من عام 2013، كان "سي-بوي" قد نجا بأعجوبة من هجوم جماعي شنّته عليه ثلاثة ذكور أخرى، حاولت قتله لتحظى دوناً عنه بحق التزاوج مع إناث الزُّمرَة (القطيع). كانت تلك الأسود الثلاثة، إضافةً إلى رابعٍ لم يشارك في الهجوم، تُعرف باسم "القتَلة". كان ثمة باحثة ميدانية تدعى "إنجيلا يانسون"، مشاركةٌ في بحث "كريغ باكر" طويل الأمد؛ وقد شهدت من كثبٍ وهي في سيارة ''لاند روفر'' عراكَ القتلة الثلاثة ضد الأسد المنفرد، ورأت الجراح التي كان "سي-بوي" قد أُثخِن بها، فـعـدّتـه في عداد النافقين لا محالة. (وكانت يانسون، بعد مراقبتها ثلاثيّاً آخر، هي من أطلقت الأسماء التالية -والتي وصفتها شخصياً بالمملّة- على أعضاء الثلاثيّ بعد الولادة: "إيه-بوي" و"بي-بوي" و"سي-بوي"، من دون أن تدرك أن شأنَ العضو الثالث في القائمة الأبجدية سيكون استثنائياً). ولكن "سي-بوي" سار مترهّلاً خارج ساحة الوغى، وجال في مناطق أخرى بصحبة حليفه الوحيد "هيلدور"، وهو ذكر جذاب وأقل مشاكسةً منه، بحثاً عن أراضٍ جديدة وإناثٍ جديدات وإمكانيات جديدة. كان ذلك قبل تسعة أعوام مضت.
تقول الأساطير إن للقطط سبع أرواح؛ أما "سي-بوي" فكانت له روحان على أقل تقدير. إذ كابد الهجوم المباشر، ونجا من الموت الذي تهدّده بسبب التهابات جراحه، ومن ثم صار في ما بعد بطلَ قصتنا. قد تتساءلون ما الذي دفعنا -أنا ونيكولس- إلى التركيز عليه دون سواه؟ الجواب هو أنه كان كامل الأوصاف التي ينبغي توفرها في أسد إفريقي: المكر والمشاكسة والصبر وحسن استغلال الفرص، والصمود والشجاعة في درء الأخطار الدائمة.. وكذا المهابة.
خلال عملنـا الميـداني، ظهـرت مجمـوعة "القتـلة" مجـدداً في منطقة مجاورة، إذ أبدت طمعها في زمرة أخرى كان "سي-بوي" و"هيلدور" ينجبان فيها أشبالاً؛ فسعت إلى تحقيق فتوحات جديدة، مهدِّدةً بتوسيع نطاقها. كان ثمة مساعدٌ آخر ضمن فريق بحث "كريغ باكر"، وهو شابٌ سويدي اسمه ''دانيال روزنغرين''. رصد هذا الأخير المجموعةَ فجرَ أحد الأيام -فيما كنت أواكب سيره وأنا على متن سيارة- إذ رآها على ضفة نهر معشوشبة تلعق جراحاً على مستوى الوجه أصيبت بها خلال معركة حديثة. تُرى من كانت تقاتل؟ كان تخميننا أنها قاتلت "سي-بوي" مجدداً. فهل نجا منها مرة أخرى؟ وإن كان قد نجا، فبأي حال صار؟

 
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ