ماذا خطف “كوفيد-19” من مجتمع السود؟

01 - نوفمبر - 2020

قلم: ويل ساتن

عدسة: ماكس أغيليرا-هلويغ

ظل الفيروس يفتك بالسود على نحو غير متكافئ مع البِيض، عبر ربوع الولايات المتحدة. وفي مد ينة نيو أورليانز، تَجسّد ذلك في فقدان رجل العائلة، وعضو الأخوية، وحاجب الكنيسة، ومرشد الشباب الذي كان أيضا ملكًا على "كروي الزولو" في احتفالا "ماردي غرا". إليكم قصة "لاري هاموند".

منذ أول موعـد غرامـي لهما، أدركت "ليليان فيليبـس" أن "لاري هامـوند" مخـتلف عــن الصبيــان الآخـرين الذيـن عـرفتهم في المرحلة الدراسية الثانوية في مدينة نيو أورليانز. تقول: "كان يتمتع بشخصية كاريزمية. كان دائما في المكان المناسب. كان دائما ودودًا لطيفا". تُوِّجَت علاقتهما بالزواج، وكوّنا عائلة، وربطا صداقات. وكما كان الحال في المدرسة الثانوية، انضم لاري إلى مجموعة تلو مجموعة؛ ومن ذلك جمعية "كروي الزولو" (Krewe of Zulu) التي ظل أعضاؤها يشاركون بعرباتها الكرنفالية في مسيرات "ماردي غرا" منذ أكثر من قرن. كان لاري هاموند الذي عرفته أنا وآخرون كُثر على مرّ عقود، هو الرجل نفسه الذي قابلته ليليان في المدرسة الثانوية: شخصية كاريزمية ومتعاونة ولطيفة. ظل على هذا الحال خلال 47 عامًا من الزواج؛ وفي يونيو الماضي خطط الزوجان للاحتفال بالذكرى السنوية الثامنة والأربعين لزواجهما. لكن ذلك لم يحدث.
هنالك فقدت ليليان زوجَها لاري بسبب "كوفيد19-" في يوم 31 مارس 2020. صدمت وفاتُه المفاجئة ليليانَ وعائلتهما والعشيرة التي كانت تحيط بهذا الرجل -البالغ من العمر قيد حياته 70 عامًا- الذي كان موظف بريد متقاعد. ليليان لا تصدق رحيل لاري. وهي حزينة لأن "كوفيد19-" يودي بحياة كثير من الأميركيين السود. ولكن ليليان هاموند تَعلم -كما يعلم غيرها في مجتمعات السود- أننا ما فتئنا نشكل أهدافًا خاصة لهذا الفيروس بحكم العوامل المحفِّزة الكامنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري.
كــان لاري عضــوًا يحــظى باحـترام كبير وبإعجاب شخصي في "كروي الزولو" حيث شغل منصب "الملك" في عام 2007. في بدايات الوباء -في أعقاب فعاليات "ماردي غرا"- أصيب بالمرض أعضاء كُثر في "كروي الزولو". ثم أصيب لاري. وفي غضون بضعة أسابيع، تسبب "كوفيد19-" في وفاة العديد من زملاء لاري في "كروي الزولو"، وزعيم فرعها المحلي -العزيز على قلب لاري- ولاري نفسه. رأى عضو مجلس مدينة نيو أورليانز، "جاي بانكس"، وهو ملك سابق على "كروي الزولو" وزميل لاري في منظمة إخاء تدعى "أوميغا ساي فاي"، عددًا كبيرًا من الأصدقاء يمرضون ويموتون. وفي وقت سابق من هذا العام، أخبرني بانكس أنه يعرف ما لا يقل عن عشرة أشخاص من السود الذين قضوا.
وبعد بضعة أسابيع، بلغ العدد 30.

قال بانكس لجمهور إذاعي في الأسابيع التي تلت وفاة لاري: "إن هذه الأرقام حقيقية. فلا جدال في أن المرض يفتك بأهالي مجتمعنا على نحو غير متكافئ". فعبر أنحاء الولايات المتحدة، عانى السود معدلات مرتفعة من مرض "كوفيد19-" ووفياته. وعلى صعيد الولايات المتحدة، تُفيد بعض المصادر أننا أكثر عرضة للوفاة بسبب "كوفيد19-" من نظرائنا البِيض بـ 2.5 مرة. في ولاية لويزيانا، صُدم كثيرٌ من الناس عندما أظهرت بيانات الربيع الماضي أن أكثر من 70 بالمئة من وفيات الولاية جرّاء "كوفيد19-" كانوا من الأميركيين السود. انخفضت هذه النسبة بعد ذلك إلى أقل من 60 بالمئة؛ ولكن في ولاية يشكل السود نحو 33 بالمئة من سكانها، فإن هذه النسبة مرتفعة للغاية.

أَحَبَّ لاري نيو أورليانز، وبادلَتهُ المدينةُ الحبَّ. اقتصر حفل عزائه في "دار بودي للجنائز العائلية" على 10 أشخاص، فيما تجمّع أولئك الذين لم يتمكنوا من الحضور في مركز تسوق غير بعيد عن منزل هاموند. في الوقت المناسب، شكَّلنا موكبًا واتجهنا بالسيارات صوب المنزل بحركة بطيئة، مُعربين عن تعاطفنا بالنظرات والتلويح بالأيادي وأبواق السيارات. تألَّف موكبنا من إخوانه في "أوميغا ساي فاي"، وزملائه خريجي "مدرسة إل. بي. لاندري الثانوية"، وزملائه مرشدي الشباب في "جمعية سيلفرباك"، وزملائه أعضاء "كنيسة صهيون المعمدانية الجميلة"، وكثير كثير من الأصدقاء والمعجبين الآخرين. ومن بين الذين شاهدوا الموكب من الفناء الخارجي: أرملته، ليليان؛ وابنته، "نيكول هاموند كرودين"؛ وحفيدته، "كايلين هاموند جوش" التي سمّاها "ك"؛ وشقيقه، "باري هاموند"؛ وابنة شقيقته، "دومينيك إيرفين". عندما مررنا بالسيارات، لَوّحوا في وجه كل واحد منا، وهم يجففون الدموع ويضحكون ويصرخون لدى رؤيتهم وجوهًا مألوفة. قالت إيرفين: "كنا نظن أن الأمر قد انتهى، فإذا بمزيد من السيارات يأتي. كان هناك المئات. لا أعتقد أننا كنا نُدرك مكانته الكبيرة لدى كثير من الناس".
لو كان الوضع طبيعيا لحضر الآلاف. فلقد كان لاري ملكًا، مُذ كان في مدرسته الثانوية يؤدي دورًا رئيسًا في أداء معزوفة "الملك وأنا"، حتى أيامه الأخيرة. كان هناك نحو 100 من ملوك "كروي الزولو" فقط في تاريخ هذه المنظمة؛ وأي ملك راحل منهم يحصل على توديع ملكي. موكب بموسيقى الجاز. وطقوس احتفالية. أما طقوس "الصف الثاني"، فتشمل موكبا احتفاليا فريدا من نوعه في نيو أورليانز خلال الحفلات والأعراس والجنائز. وكنا سنسمع قصصا مضحكة وذكريات عن لاري. كنا سنضحك ونهلل. أتخيل مشهدَ لاري مبتسمًا، وكثير كثير من المناديل الملوّحة، لتجفيف الدموع بدايةً ثم لاختراق الهواء بفرح لأجل حياته. كانت تلكَ حياة رجل عائلة: زوج وأب وعم وخال وجد. كانت أفعاله ترقى إلى رجل وطني ومؤمن ومجتهد وداعية. تخرَّج في "كلية سيدة الصليب المقدس". خدم في القوات الجوية الأميركية. عمل أعوامًا عديدة في خدمة البريد الأميركية قبل تقاعده. ثم عمل أعوامًا أكثر مع مجموعات مثل "سيلفرباك"، التي ترشد يافعي المجتمع في خضم انتقالهم إلى مرحلة الشباب.
كانت روح لاري تلك واضحة لجميع من التقوه، وفي منزله بمدينة نيو أورليانز. كان مسرورا بارتباطه بمجموعات مختلفة، مرتديًا ألوانها الرمزية بفخر. في أي يوم بعينه، كانت عائلته تعرف ما سيفعل بناءً على الملابس التي يختار: قميص كنيسة صهيون المعمدانية الجميلة، أو جمعية سيلفرباك. سترة أوميغا. قبعة الزولو. تملأ التذكارات المنزل، وهي تذكر بما عدّه لاري أساسيًا: الصداقة والتحصيل العلمي والمثابرة؛ ومساعدة الآخرين ودعمهم. وإذ اقترب عام 2020 من نهايته بوصول الوباء إلى مسار غير مؤكد، يمكننا تكريم لاري هاموند وكل ما دافع عنه من خلال المطالبة بالمساواة في التصدي لهذه الجائحة. يمكننا النضال للقضاء على التفاوتات في الوصول إلى الرعاية الصحية، ولإدماج مزيد من الشباب السود في وظائف الرعاية الصحية؛ ومكافحة الأسباب التي تفضي إلى الفتك بالأميركيين السود جرّاء الجائحة بمعدلات غير متكافئة مع البقية.
سيكون ذلك توديعًا يليق بمقام هذا الرجل الملك.. ليس مجرد رقم ضمن ضحايا "كوفيد-19"، ولكنه النموذج الأمثل لخير مجتمع.
موضوعات ذات صلة
  • مَشاهد من زمن الوباء

    مصورون فوتوغرافيون عرب يوثقون بعدساتهم حال حواضرنا العربية في ظل جائحة "كوفيد-19". "الفيروس الغامض ينتشر في الصين" هكذا عنونتُ الخبرَ عبر الموقع الإل

  • بلجيكا

    في العنابر المخصصة لمرضى "كوفيد-19"، ثمة طاقم طبي منهك يعتني بالمصابين وينصت إلى ما يهمسون به من مخاوف. تتساءل إحدى الممرضات قائلة: "إذا لم أقم بذلك،

  • رسالة إلى أبناء جيلي

    نتأهَّبُ لدخول سن الرشد في ظل جائحة "كوفيد-19"، والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية، والتغير المناخي. ولا نشعر حقًّا بأننا مثل "جيل Z" أو جيل الألفية؛

  • سنتجاوز هذا العام المدمر. ولكن كيف؟ وإلى أين؟

    إنه فيروس "كورونا المستجد" أو "سارس-كوف- 2" أو "كوفيد-19"؛ تعددت الأسماء والجائحة واحدة.. جائحة خيمت بظلالها الكئيبة على عام 2020، فتلاعبت بدفاعاتنا و

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ