لماذا باغتنا الفيروس؟

01 - يوليو - 2020

قلم: روبين مارانتز هينيغ

بقيت تحذيرات الخبراء بشأن الجوائح الصحية محل تجاهل العالم طيلة عقود. وربما يكون تفشي "كوفيد-19" بدايةً لاعتماد نهج استباقي أكثر حزما وجدية.

خلال الأسابيع الأولى لتفشي جائحة "كورونا"، كنت لا أطيق متابعة التقارير الإخبارية التي انتقدت الأخطاء التي ارتكبها المجتمع الدولي في بدايات تعامله مع هذه الجائحة، ليس فقط لأنه لا جدوى الآن من توجيه النقد والتقريع؛ إذ ما فائدة أن نعرف أنه قد كان بمقدورنا تجنب هذا الواقع الكئيب الذي نعيشه اليوم؟ ولكن لأن الأمر بالنسبة إلي كان ذا شجون عميق. تذكرت مع كل موضوع قرأته عن تجاهل التحذيرات بشأن احتمالات تفشي فيروس فتاك، أن هذا الأمر تحديدًا كان هاجس العلماء منذ عقود، وقد ظل بعض الصحافيين المتخصصين بالشأن العلمي يكتب عن تلك التحذيرات؛ وكنت واحدة منهم. يومَ بدأتُ البحث في هذا الموضوع عام 1990، كان مصطلح "فيروس ناشئ" قد نُحِتَ للتو من قبل عالم فيروسات شاب اسمه "ستيفن مورس". وقد جعلتُ هذا العالِم الشخصيةَ المحورية في كتابي "A Dancing Matrix" (مصفوفة راقصة)، الذي صدر في عام 1994. قدمته في الكتاب بصفة أستاذ مساعد يضـع نظـارات طبيـة ويتميـز بتفانيـه في عمـله وشغــفه التـام بعوالم الفكر والتأملات.
وكان مورس وعلماء آخرون يحصرون جملةً من الظروف التي من شأنها أن تفضي إلى ظهور سلالات جراثيم غير مسبوقة وفتاكة للبشر على نحو غير مألوف؛ ومن تلك الظروف: التغير المناخي، وهيمنة المشروعات الحضرية، وقرب البشر من حيوانات المزارع أو الغابات التي تُعدّ حاضنات لأنواع شتى من الفيروسات. كانوا يحذرون من سهولة انتشار مسببات الأمراض الخطيرة هذه في جميع أنحاء العالم، بفعل العولمة المتزايدة للاقتصاد، وسهولة السفر والتنقل جوًا بين دول العالم، وحركة اللاجئين بسبب المجاعات والحروب. أليس هذا الكلام شائعًا اليوم؟ في مقدمة كتابي، نقلت عن "جوشوا ليدربيرغ" -عالم البيولوجيا الجزيئية الحائز "جائزة نوبل" عن أبحاثه في البكتيريا- مقولتَه إن "الفيروس هو أكبر تهديد لاستمرار هيمنة الإنسان على هذا الكوكب". اعتقدت في ذلك الوقت أن ليدربيرغ بالغ في الأمر إلى حد التهويل، ولكنني اليوم أجد أن كلامه ذاك كان بحقّ توقعًا مرعبًا وسابقًا لزمانه.
لم يكن إجمالي عدد وفيات "كوفيد19-" في الولايات المتحدة قد بلغ عتبة الألف بعدُ، وكانت ثلاثة أيام قد مرت على مكوث أهالي نيويورك -وأنا منهم- في منازلهم بسبب تفشي الفيروس، حين هاتفتُ مورس للاطلاع على أحواله خلال هذه الأزمة. وهو أستاذ علم الأوبئة لدى "جامعة كولومبيا"، وقد أضحى اليوم ضمن الشريحة العمرية الأشد عرضة لمضاعفات فيروس "كورونا"؛ وكذلك أنا. وقد أخضع نفسه وزوجته لحجر منزلي اختياري في شقتهما الكائنة على بعد كيلومترات قليلة عن منزلي. قال لي مورس: "أشعر بإحباط كبير بسبب أننا لسنا على استعداد تام، مع كل هذا التقدم العلمي؛ بل إننا ما زلنا منغمسين في التجاهل". ثم ساق لي إجابةَ "بيتر دراكر"، خبير شهير في علم الإدارة، عن هذا السؤال: "ما أسوأ خطأ يمكن لإنسان أن يرتكبه؟"؛ إذ أجاب الخبير: "أن يكون مُحِقًّا قبل الوقت الأنسب".
لم أكن ومورس محقِّين، سواء قبل الأوان أم غير ذلك. ولم يكن أحدٌ محقًّا. عندما سئلتُ خلال جولة للترويج لكتابي، عن طبيعة الجائحة التالية، قلتُ إن جل الخبراء يعتقدون أنها ستكون الإنفلونزا. وقد قال لي مورس خلال مكالمتنا الهاتفية: "لم أحبّذ قَط فكرة وضع قوائم للجائحات"، مضيفًا أنه دائما ما أدرك أن الجائحة التالية يمكن أن تنشأ في أي مكان. ولكنه كان في أوائل التسعينيات يميل هو وزملاؤه إلى التركيز على الإنفلونزا؛ وكذلك فعلتُ. ولربما كان ذلك خطأ. فأمر الإنفلونزا في نظر الناس لا يدعو إلى الجزع أو التوجس؛ إنْ هو إلا داء مألوف يصيبنا في كل عام ولدينا لقاح ضده. إذن، ربما كان من السهولة بمكان تجاهل تلك التحذيرات كونها تتعلق بـ "نزلة برد لا غير" أو بوصفها مجرد تهويل مبالغ فيه من كاتبة جامحة الفكر. ولكن صحافيين آخرين ألّفوا كتبًا مشابهة نجح بعضها في تحقيق مبيعات ضخمة؛ مثل "The Hot Zone" (المنطقة الساخنة) لـ "ريتشارد بريستون"، و"The Coming Plague" (الطاعون المقبل) لـ "لوري غاريت". (وهناك كتب أَحدَث، من قبيل "Spillover" (الفيض) للكاتب "ديفيد كوامن"، وهو استفاضة لتحقيق عن الأمراض حيوانية المنشأ نُشر في مجلة ناشيونال جيوغرافيك العالمية، عام 2007). جميعنا وصف السيناريوهات الرهيبة نفسها، وجميعنا أطلق التحذيرات ذاتها بشأن افتقارنا إلى الاستعداد اللازم للتصدي لجائحة كهذه. فلماذا لم يكن كل ذلك كافيًا؟ ولربما كان لدى الراحل "إدوين كيلبورن" رأي يدلي به في هذا الصدد؛ فقد كان رائدًا في مجال لقاحات الإنفلونزا. في مؤتمر عُقد في أواسط الثمانينيات، وضع كيلبورن تصورًا لفيروس وهمي بالغ الخطورة وذي صفات تجعله أفتك الفيروسات المعدية وأصعبها مراسًا. وقــد أطــلق عليه اسم "الفيروس الوحشي الخبيث" (MMMV، اختصارًا بالإنجليزية). وعلى حد وصف كيلبورن، فإن من بين سماته الشائنة أنه ينتقل عبر الهواء -كفيروس الإنفلونزا- ويمكنه أن يبقى نشطًا في أوساط بيئية مختلفة مثل فيروس شلل الأطفال، وبوسعه إقحام مورّثاته مباشرة في نواة الكائن المُضيِّف، تمامًا مثل الإيدز.

 
موضوعات ذات صلة
  • من قلب الحجر الصحي

    في زمن فيروس "كورونا"، يذهب أحد المصورين بعيدًا لالتقاط الصور. ثبَّت "غابرييل غاليمبيرتي" عمودَي إضاءة فوتوغرافية أمام نافذة خارج أحد المساكن. ثم ترا

  • هل من ماء لغسل اليدين؟

    هل سيحصل فقراء العالم على حاجتهم من الماء النظيف لغسل أيديهم.. وللشرب؟ "أَأتيتَ من مومباي لتعلمنا غسل اليدين؟". لم يتمالك أهالي القرية أنفسهم من الضح

  • أكثر من 200 عالم يحذرون من جسيمات كورونا الصغيرة

    ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أن أكثر من 200 عالم يقولون إنهم خلصوا إلى أدلة تفيد بأن فيروس كورونا المستجد العالق بالجسيمات الأصغر بالهواء، يمك

  • مقطوعات موسيقية في غرف العناية بمرضى كورونا

    عندما تفرغ غالبية الممرضات التشيليات من دورات عملهن الطويلة في رعاية العديد من مرضى "كوفيد-19" في البلد، لا يبقى في أذهانهن سوى العودة للمنزل لرؤية أس

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ