.. كمَثل من يطارد الأشباح

01 - أكتوبر - 2018

بقلم: دانيال ستون

عدسة: Steve De Neef

يحبس "براين سكيري" أنفاسَه تحت الماء أطول فترة ممكنة من أجل التقاط صور لمخلوقات بحرية مهددة بالانقراض.. حتى نعرفها حق المعرفة.

في بعض الأيام، يكون الحظ حليفَ المصور الفوتوغرافي تحت الماء، براين سكيري. إذ تكون الشمسُ مشرقة، والمياه صافية، وسطح الماء هادئا، والحيتان موجودة، ليتسلَّل سكيري إلى مياه المحيط بسرعة كي يلتقط لها صورا، طالما أن قناعه ليس مضبباً وكاميرته تعمل على نحو جيد.
ولكن الرياح لا تأتي دوماً بما يشتهي سكيري. فإما أن الحيتان تختفي تماماً، أو أن الجسيمات تعكر صفو الماء فتشوش التصوير، أو أن الريح تثير أمواجاً، أو أن الشمس تتوارى وراء السحب في اللحظة المواتية للتصوير. وقد يحدث أن ينزل سكيري إلى الماء، فتغوص الحيتان إلى الأعماق آلاف الأمتار بحثاً عن الغذاء، فلا يستطيع لها طلباً.
سكيري حاصلٌ عـلى زمـالة في فئة التصويـر الفوتـوغرافي لدى "الجمعية الجغرافية الوطنية" الأميركية، وقد نال جائزة "مستكشف السنة" لعام 2017، الممنوحة من قبل ناشيونال جيوغرافيك وشركة "رولكس". اختار سكيري الغوص الحر أسلوباً للاستكشاف والتصوير تحت الماء؛ إذ إنه لا يَستخدم أسطوانات الهواء أو أي أداةِ طفوٍ، ولا يستعين بأي معدات أخرى، عَدا الزعانف والقناع والكاميرا. أمضى الرجل خلال العامين الماضيين تسعة أسابيع على متن قارب طوله 10 أمتار وهو يطارد حوت العنبر في مواطن عيشه بالمياه الدافئة قُبالة "جزيرة دومينيكا" شرق البحر الكاريبي.
يلتقط سكيري صوراً فريدة لا تُنسى، حصد بها جوائز عِدة.. غير أن سقف طموحه أعلى. يقول: "أنا مصور صحافي أولاً وقبل كل شيء، إذ أعمل مع الباحثين وأزودهم بصور تفيدهم في أبحاثهم ودراساتهم على النبات والحيوان في المحيطات".
يتميز حوت العنبر بضخامته وذكائه وصعوبة تعقبه، إذ يغوص مسافات بعيدة تحت الماء هرباً من المطاردة أو عند الفزع. ولكن أعداده ما فتئت تتضاءل بسبب صيده، والإفراط في صيد غذائه من الأسماك، وغير ذلك من أساليب العدوان البشري، حتى إن الأمر وصل بحُماة البيئة في العالم إلى تصنيفه ضمن الكائنات المهددة بخطر انقراض متوسط أو بخطر انقراض كبير. ويريدُ سكيري لِصُوره أن تغذي الجهود البحثية والتعليم، ما يُعزِّز الاهتمام بالحيتان فتنعم بالراحة من الإنهاك والاستنزاف. يقول سكيري: "لدي إحساس بالمسؤولية الملحّة في توعية الناس بضرورة رعاية هذه الكائنات البحرية العملاقة. أريد لها أن تحظى بمعاملة فيها قَدْرٌ من الإنسانية".
يُعرِّف العلماء حوت العنبر بأنه أكبر كائنات المحيط المفترسة المُسنَّنة (ذوات الأسنان). ويمتلك هذا النوع أكبر دماغ لدى الحيوانات المعروفة جميعاً، وقد يبلغ وزنه 45 طناً. لُوحظ أنه يشبه البشر في بعض طباعه، من قبيل الفضول وميلِه إلى اللعب والمرح. وعلى كل ما يتمتع به حوت العنبر من ضخامة وقدرة على التعبير عن نفسه، فإنه يبقى واحداً من أكبر أسرار المحيط. هل له نظام معقد في التعبير عن أفكاره؟ وما هي بنية العلاقة بين أفراد السرب الواحد؟ وماذا يدور في تلك الأدمغة الكبيرة؟
يبدو أن حيتان العنبر -كلها أو جلها- تَتشوَّش من الأصوات المزعجة الصاخبة. إذ يمكن لمحرك أحد القوارب أو فقاعات جهاز التنفس تحت الماء أن يسببا اضطراباً لنظام تواصلها، الذي يقوم على النقرات الصوتية. لذلك فالغوص الحر -كما السير برفق على رؤوس القدمين فوق الأرض- هو أفضل وسيلة لدى مصورٍ محترفٍ مثل سكيري للتعامل مع هذا الحوت؛ على أن الأمر يبدو أحياناً "كَمَنْ يلاحق الأشباح"، على حد تعبيره.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ