عندما تتمرد البكتيريا

01 - سبتمبر - 2018

بقلم: ديفيد كوامين

نعيش اليوم، أكثر من أي وقت مضى في عالم يعُجُّ بالمخاطر المحدقة بنا، وما فتئت تلك المخاطر تزداد وطأة كونها لا تنفك تتطور. فقد عرفنا أن بوسع فيروسات، من قبيل "إيبولا" والإنفلونزا، أن تتكيف وتقاوم الاندثار. وفي عالم اليوم، يحذرنا المتخصصون من أن البشرية دخلت "حقبة ما بعد المضادات الحيوية"، ما يعني أن مئات آلاف البشر سيعانون ويقضون نحبهم سنوياً نتيجة الإصابة بعدوى أشكال بكتيرية كانت المضادات الحيوية قادرة، ذات يوم، على سحقها بكل يسر وسهولة.
تَعُدُّ منظمة الصحة العالمية "مقاومة المضادات الحيوية" واحدة من أكبر تهديدات القرن الحادي والعشرين. ويصفها "المنتدى الاقتصادي العالمي" بأنها "كارثة محتملة" تعصف بصحة البشر واقتصاد العالم. فقد تسببت حالة واحدة فحسب لمثل هذه التهديدات الجرثومية -وكانت لـ"البكتيريا العنقودية الذهبية" (Staphylococcus aureus) التي قاومت مضادات عدة- في وفاة أكثر من 11 ألف شخص في الولايات المتحدة خلال عام 2011 وحده. وتتسبب هذه الجرثومة، إضافة إلى جراثيم مقاوِمة أخرى، في وفاة مئات آلاف الأشخاص سنوياً حول العالم.
وهنا يُطرح السؤال: كيف نشأت هذه المقاومة؟ أما الجواب فهو: مزيج من الانتقاء الطبيعي (فعندما يهاجم مضاد حيوي مجموعة من البكتيريا، يكون البقاء في النهاية لأقواها) وآلية تطور (تتنافى مع أي حدس ومنطق، ولم تخطر ببال المتخصصين في علم الأحياء التطوري) كُشف النقاب عنها في الآونة الأخيرة تدعى "النقل الأفقي للمورثات". وما تعنيه العبارة السابقة هو أن المورثات تنتقل عَرْضياً بين أفراد البكتيريا وبين الأنواع الأخرى، وحتى بين بقية ممالك المخلوقات. وتساعد هذه الطريقة الكائنات على اكتساب خصائص وراثية من كائنات أخرى من دون أن تكون من نسل هذه الأخيرة. ويكشف لنا التسلسل الجينومي عن أن هذا النقل الأفقي للحمض النووي (DNA) يمتلك أهمية عميقة في تاريخ الحياة، وشائع بشكل خاص بين البكتيريا، وكان من تداعياته انتشار مورثات "مقاومة المضادات الحيوية".

مع بداية ستينيات القرن الماضي، تنبأ عالم ياباني يدعى "تسوتومو واتانابي" بانتشار ظاهرة "مقاومة المضادات الحيوية". وبعد سنوات من جهود مضنية لفريق ياباني تحت قيادته، نشر عام 1963 ورقة بحثية غير مسبوقة وصف فيها تلك الظاهرة بأنها "نموذج للوراثة الـمُعدية".
تاريخياً، بدأت الجهود اليابانية المتعلقة بهذا الخصوص في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، مع ازدياد حالات الإصابة بـ"الزُحار العصوي" [التهاب قرحي في الأمعاء] في هذا البلد.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ