زواحف بلا مخاوف

01 - يونيو - 2019

بقلم: توماس بي. بيشاك

عدسة: توماس بي. بيشاك

في جزيرة مرجانية معزولة، يكتشف مصوّرٌ فردوسًا بدائيا يكون المرء فيه مجرّد عنصر من النظام البيئي.

أصابتني الدهشة حين دخلَت سلحفاةٌ إلى كوخي أول مرة لدى "المعسكر الأوسط" بجزيرة "ألدابرا" (Aldabra) المرجانية. هنالك تناولتُ كاميرتي بسرعة واتخذتُ وضعية مدروسة لالتقاط صورة لقائي مع هذا الحيوان البرّي. وفي المرة الثانية، فعلت الشيء نفسه. وفي الثالثة، التقطت للسلحفاة صورة خاطفة بهاتفي النقال. وعند المرتين الرابعة والخامسة، كنت قد اعتدتُ الأمرَ إلى درجة أنني عندما شعرت بشيء يصطدم بي، لم ألتفت إليه؛ إذ كنت أعرف سلفًا ما هو.
كنتُ في تلك الجزيرة المرجانية لتصوير تحقيق عن عمليات الإصلاح البيئي لبعض جزر سيشل الواقعة بعيدًا قبالة الساحل الشرقي لإفريقيا في المحيط الهندي. وإلى حدود منتصف القرن الماضي تقريبًا، كانت قد ظهرت على هذه الدولة الجُزرية الصغيرة علامات على وقوع دمار بيئي حقيقي مستفحل؛ إذ كانت مساحات شاسعة من الجزر قد جُرّدت من نباتاتها الأصلية لإفساح المجال لإنشاء مزارع لجوز الهند والقرفة، وانتشرت عليها جرذان وفئران دخيلة غازية، كما استُغِـلّت السلاحف المحلية، البحرية منها والبرية العملاقة. وهكذا بدا أن التنوّع الأحيائي للجزر قد حُكم عليه بالزوال.
لكن البلــد شهــد بعد ذلـك تحـوّلاً في الوعي بالمحافـظة عـــلى الطبيعــــة؛ وتمثّــل "ســلاحف ألدابــــرا العمــلاقــة"
(Aldabrachelys gigantea) بعضًا من أبرز الشواهد على ذلك. فهذه الزواحف الهائلة كانت تعيش في جل جزر المحيط الهندي إلى أن اكتشف بحّارة القرن السابع عشر أنها تمثل أفضل مصدر للمؤونة الغذائية الطازجة خلال الرحلات البحرية الطويلة، لكونها تبقى على قيد الحياة شهورًا بلا ماء أو غذاء. كان الملاّحون يملؤون عنابر سفنهم بمئات السلاحف في كل مرة، مع الحرص على أن يقلبوها على ظهورها لمنعها من التجوّل على متون سفنهم. وشيئًا فشيئا، أُكلت السلاحف الموجودة بالجزر على امتداد المحيط الهندي إلى أن انقرضت.. إلاّ من ألدابرا، التي كانت الجزيرة الوحيدة في كامل حوض المحيط التي ظلّت عليها بضع آلاف من هذه السلاحف على قيد الحياة.
لقد حمت عزلة جزيرة ألدابرا وبيئتها المعادية تلك السلاحف، وكذلك تفعل حتى اليوم. فهذه الجزيرة الواقعة على بعد أكثر من 1150 كيلومترًا غرب "ماهِيْ" -أهم جزر سيشل- ليست على خط سير مباشر لأي أحد. (احتجت لأتمكن من بلوغها إلى أن استأجر طائرة ذات مروحة أمامية، أخذتني إلى أقرب جزيرة تحوي مهبط طائرات، ومن ثم ركبت قاربًا صغيرا واتجهت إلى ألدابرا). ثم إنها غير مضيافة أبدًا للزوّار.. وهي من أكبر الجزر المرجانية في العالم. فشريطها الساحلي مكوّن من الصخر المرجاني الحادّ كالشفرات. كما أنه لا وجود لمياه عذبة دائمة في الجزيرة؛ أما البعوض فموجود بكثرة. وأما الحرارة فهي شديدة إلى درجة أن السلاحف تنطبخ في دروعها نهارًا ما لم تجد ظلاً. ومع ذلك، فإن السلاحف تزدهر هنا؛ لأنه ما من أحد يمتلك من القوة والتحمّل ما يسمح له بالمجيء إلى هنا والحصول عليها؛ وكذلك لأن ألدابرا صُنِّف في ثمانينيات القرن الماضي محميّةً خاصةً من قبل الحكومة، وموقعًا للتراث العالمي من لدن منظمة "اليونسكو". وبحصول السلاحف على الحماية من التدخّل البشري، استعادت عافيتها وازدادت أعدادها لتبلغ نحو 100 ألف.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ