بصماتنا الخفيّة

01 - أبريل - 2020

قلم: إدوارد بيرتينسكي

عدسة: إدوارد بيرتينسكي

دليل المتشائمين

مصور فوتوغرافي يوثّق كيف أعاد البشر تشكيل الأرض.. حتى في أماكن بعيدة جدًا عن سطحها.

التقطت هـذه الـورة في مناجم البوتاس الواقعة أسفل "بيريزنيكي"، وهي مدينة روسية في سيبيريا الوسطى. يفتقر جل الناس إلى المفردات البصرية أو الكلامية ليفهموا حقًّا ما الذي يجري تحت الأرض في ذلك المكان القصيّ. وكذلك افتقرتُ إليها أنا شخصيًا.. إلى أن زرت المكان وشعرت بضغط أكثر من 400 متر من الأرض الصلبة والصخر والحياة من فوقي.
هذا مشهدٌ لم يكن يُرادُ له أن تبصره عيون بشر. فضوء الشمس لا ولن يصل إليه أبدًا. ومع ذلك، فإن الموادّ التي تُستخرج منه -والتي مآلُها أن تُسمِّد مزارع العالم- تشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر إنتاج الغذاء. للوصول إلى هذا المكان، المتمثّل في شبكة أنفاق بطول 10 آلاف كيلومتر يلفها ظلام حالك لا يُسكَن، هبطنا أنا وفريق عملي بمصعد يتسّع لنحو 40 عامل منجم وتجهيزاتهم. كان الجو ضبابيا، أما الهواء الرطب فقد كانت برودته شديدة إلى حد أنها نفذت إلى عظامنا. وفي أسفل مِهواة المنجم، ركبنا في شاحنات كانت مصابيحها الأمامية ومصابيحنا الرأسية هي المصادر الوحيدة للإنارة. وجدت هذه التجربة غير مريحة؛ إذ كانت الأنفاق تتشعّب مرةً بعد مرة بعد مرة، ما دفعني إلى أن أعلّم مسارنا بحرف (X). ولو احترقت مصابيحنا، لضعنا، ولَمَا سمع استغاثاتنا أحد؛ فسرعان ما تتبدّد الأصوات تحت الأرض.
ومع ذلك، فقد كان المكان الجوفي جميلًا وسط الطبقات زاهية الألوان من قاع بحر قديم: أشرطة بوتاس برتقالية اللون تتخذ شكل خطوط متموّجة ظهرت للوجود بفعل الضغط الشديد للأرض من فوقها. أما الانطباعات الشبيهة بالأصداف فقد خلّفتها آلةٌ يدعوها عمّال المناجم "حصّادة"، تحفر أنفاقًا في الأرض بقرصين دوّارين، كلٌ منهما محمولٌ على ذراع. وعندما تعود "الحصّادة" القهقرى، فإنها تنحت هذه الرصائع (الميداليات) في الصخر.
وتلك الانطباعات، والأنفاق نفسها التي تضمّها، هي سِمات لِما بات يسمّى "الأنثروبوسين" (أو العصر البشري)، وهو عصر جيولوجي جديد محتمل موسوم بالنشاط البشري. ويطلق العلماء على أي تعديلات من هذا النوع تطرأ على صخور الأرض ورواسبـها، اسـم "التشويـش البشــري" (Anthroturbation). ويومًا ما، بعد أن نفنى ويكون قد مضى زمن طويل على اجتياح الغابات مدننا وإخفائها عن الأبصار، ستبقى هذه الأنفاق أدلّةً على وجودنا، فتشير إلينا على نحوٍ يشبه إلى حد بعيد الطريقة التي تشير بها رسومات جدران كهف "لاسكو" الفرنسي الشهير، إلى البشر الذين عاشوا قبل 20 ألف سنة.
أمضيتُ الأعوام الأربعين الماضية في تصوير ملامح المشاهد الطبيعية التي ظل الإنسان يغيّرها من خلال استحداثه نُظمًا واسعة النطاق كالمواصلات والصناعة والزراعة. أجدني دائم البحث عن أمثلة صارخة على ما أسميه "الأخذ البشري"، وأعني بذلك إزالة موادَّ من الأرض لاستعمالها في صناعة أمتعتنا.
وقليلون هم أولئك الذين يدركون من أين تأتي المصادر التي تجعل أسلوب حياتهم ممكنًا. فمعظمنا يرى ناطحات السحاب من دون أن يرى مناجم "السيليكا" (ثنائي أوكسيد السيليكون) التي أوجدت الزجاج الذي يكسو هذه المباني. ونرى الإسمنت ولا نرى حُـفَر استخراج الرمل التي يُصنع فيها. ونرى الأراضي الزراعية ولا نرى الغابات التي كانت تنمو مكانها. إننا لا نرى الوجه الآخر المكمّل لكل ثنائية؛ لا نرى أنه في مقابل كلٍّ من إبداعاتنا العظيمة، هناك عملٌ مدمّر أكبر في مكان ما في الطبيعة.
موضوعات ذات صلة
  • ديناصور كندا الحجري

    بعد ظهر يوم 21 مـارس 2011، كـــان أحــــد مُشـــغِّــلي الآلـــيـــات الثقيلة، واسمه "شاون فانك"، منهمكا في جرف الأتربة؛ ولم يكن بباله أنه على موعد وش

  • زيارة إلى منجم للكبريت

    رحلة انطلقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى داخل بركان ناشط، حيث يستخرج عمال المنجم الكبريت من فوهة تطلق ألسنة لهب زرقاء. ستة أشهر قبل الرحلة: 

  • عملاق بين أحجار الجيود

    من الممكن أن يدفعنا أي حجر من أحجار الجيود إلى التساؤل: ما القوى الجيولوجية التي تشكل هذه التجاويف المبطنة بالبلورات؟ لكن "حجر جيود بالبي" (Pulpi Geod

  • تحديات جديدة لنا جميعًا

    دليل المتفائلين ألهمت التنبؤات المرعبة لعام 1970 إجراءات حسَّنت الحياة كثيرا من نواح عدة. وها نحن نُختَبَر من جديد. اسمحوا لي بداية أن أضعكم

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ