استشراف | معركة بين الجشع والمصلحة العامة

05 - يونيو - 2018

عدسة: ديلان سيلترمان

أُلقِي محاضرات في علم النفس يحرص على حضورها طلاب ذوو اهتمامات متباينة ومتنوعة في "جامعة ميريلاند" بالولايات المتحدة. أستحوذ على انتباههم جميعاً كلما طرحت عليهم هذا السؤال: هل تريدون أن أمنحكم درجتين إضافيتين على مجموع درجاتكم في الامتحان الفصلي، أم ست درجات؟
ثم أُوضح لطلبتي أن "عرض" الدرجات الإضافية هذا جزءٌ من تمرين يرمي إلى إبراز الترابط الوثيق الذي يجمع الخيارات التي يتخذها الأفراد في مجتمعاتهم. وأستطردُ مفسراً أنني استلهمت جوهر هذا التمرين من عالِم بيئة يدعى "غاريت هاردين" ومحاضرة ألقاها قبل نصف قرن من اليوم؛ تحدث فيها عمّا أسماه "مأساة الموارد المشتركة". وقصَدَ هاردين بذلك إنه عندما تكون تصرفات العديد من الأفراد بدافع تحقيق مصالحهم الشخصية من دون مراعاة للمجتمع عموماً، فإن نتائج ذلك يمكن أن تكون كارثية. وللتحذير من الاستغلال المفرط للموارد المشتركة، استعار هاردين مفهوم "الحق المشاع"، الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر للدلالة على المراعي التي كانت مشاعاً بين أهالي القرى إذ ينتفعون بها من دون أن تكون ملكاً لفرد بعينه.
كنت آمل أن يحيط طلابي علماً بالصلات التي تربط بين التمرينات في الفصل وأفكار هاردين وإشكاليات كوكبنا الأشد إلحاحاً (ومنها تغير المناخ). أتحت لهم الاختيار بين الحصول على درجتين أو ست درجات إضافية؛ ولكن هذا العرض كان مشروطاً: ففي حال اختار أكثر من 10 بالمئة منهم نيل ست درجات، فعندئذ لن يحصل أي منهم جميعاً على أي درجة. هكذا ماثلت بين تلك الدرجات الإضافية والماء أو الوقود أو المراعي -نموذج هاردين- أو أي مورد طبيعي آخر.
حسب بعض نظريات اقتصاد السوق الحرة، فإنه إذا سعى جميع الناس إلى تحقيق أقصى حد من المنفعة الشخصية، فإن المجتمع يزدهر ويحقق الرخاء. وتبعاً لهذا المنطق، يكون من الطبيعي أن يسعى كل طالب إلى اختيار الدرجات الست، تماماً كما يميل الراعي إلى استغلال أكبر مساحة ممكنة من المرعى لمصلحة قطيعه وحده. ومنه، فإنه لا يستقيم وصم هؤلاء المستهلكين البراغماتيين بصفة الجشع؛ لأنهم -والحالة هذه- أصحاب تفكير استراتيجي.
ولكن إذا اختار جميع الناس ذلك المسلك النفعي، فإن الموارد المشتركة ستُستنزَف؛ فينتهي مآل المجتمع إلى التهافت على تلك الموارد بإفراط، أو يَشُح الماء، أو يحدث التغير المناخي.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ