بكل تأنٍّ وانبهار، كان الزوار يتحركون أمام صور لأطراف عملاقة جدا من مخلوقات صغيرة، وقد تملَّكهم الذهول والدهشة. إذ كيف لحشرة لا يزيد حجمها على بضعة مليمترات أن تمتلك فكًا يحوي أجزاء شديدة التعقيد دقيقة التركيب! كان هذا لسان حالي وحال كل زوار معرض "اللامرئي" لمصور ناشيونال جيوغرافيك، الإماراتي "يوسف الحبشي" في "منارة السعديات" بالعاصمة أبوظبي.
يخبرنا الحبشي أنه احتاج إلى التقاط 20 ألف صورة لينتقي منها مجموعته المعروضة المكوَّنة من 29 صورة، أقل ما يمكن وصفها به هو أنها.. تُحف إبداعية. عكف مصورنا على مشروعه هذا مدة عام تقريبًا، أجرى فيها بحوثًا عن طبيعة "حشـراته" تلـك -وخـاصةً الخنافس- وعن وظائف أطرافها الأمامية الفكية ذات الأشكال الغرائبية. ويحاول الحبشي بأسلوبه الفوتوغرافي هذا أن يُبرز العالمَ اللامرئي لمخلوقات لا نلتفت إليها بل ربما لا نَلمحها إطلاقًا؛ إذ يقدمها للجمهور بشكل فني مثير يقوم على تكبير أجزائها الغريبة بنسبة تصل إلى 200 ضعف حجمها الطبيعي. ويبقى هدفه الأكبر هو إثارة اهتمامنا بمخلوقات صغيرة قد نستهين بها.. لكنْ لا غنى لنا عنها في منظومتنا البيئية.
في هذا العدد الخاص عن آفة الانقراض، تكشف "مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية" ممارسات البشر غير المسؤولة تجاه المنظومة البيئية من خلال الإضرار بكائنات حية أخرى تشاركنا الحياة على هذا الكوكب. إذ تعرّفنا تحقيقات العدد وأبوابه إلى كثير من الأنواع المهددة بالفناء، وتبرز أهميتَها، وتُظهر ما اقترفناه في حقها من جراء صيدنا الجائر وتوسعنا العمراني في موائل عيشها، وتلويثنا المستمر لمياهها وهوائها وغذائها. إننا في إطار سعينا لتكييف محيطنا بما يخدم رفاهيتنا، نتسبب باستمرار في دفع مخلوقات كثيرة نحو هاوية الفناء، بل إن منها من انقرض فعلًا.
يقدم عددنا هذا -والذي يتصادف والذكرى التاسعة لإصدار "أبوظبي للإعلام" مجلةَ ناشيونال جيوغرافيك العربية- الجزءَ الخفي -أو "اللامرئي"- من ممارساتنا تجاه باقي مخلوقات كوكبنا؛ ويأتي معرض "اللامرئي" ليكشف لنا الجزء المجهول والغريب من كائنات لا نُلقي لها بالًا في الغالب، ولكنها جزء لا يتجزأ من سلسلة بقائنا. لذا ينبغي أن نمنحها ما يليق بها من اهتمام.. حتى لو كانت -كما يعتقد بعضنا- مجرد خنافس.
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ