المبدعون الأوائل

22 - ديسمبر - 2014
لكأننا ندخل في حلقوم وحش هائل الحجم.. ولسان هذا الوحش الذي نمشي عليه، والذي يمثّله ممرٌّ معدني، يبدأ بالتحدّب ثم يهبط بقوة إلى السواد الحالك الذي ينتظرنا في الأسفل. يضيق السقف علينا من فوق، وفي بعض الأماكن تتقارب جدران الكهف الثقيلة لدرجة تكاد تلمس فيها أكتافنا. ثم تتّسع جوانب الحجر الجيري فنجد أنفسنا في بطن حُجرة فسيحة. في هذا الكهف المسمى شوفيه توجد أُسُود الكهوف. وهنا كذلك توجد حيوانات الكركدن الصوفي وفيَلة الماموث وثيران البيسون ومجموعة منوّعة من المخلوقات القديمة. نراها تفرّ مذعورة في جماعاتٍ أو تتصارع أو تتعقّب فرائسها؛ وكل ذلك بصمت وجمود تامّين. أما خارج حدود الكهف، حيث عالم الواقع، فلم يعد هناك أثرٌ لهذه المخلوقات، إذ إنها انقرضت من المنطقة. ورغم أن ما نراه هنا ليس عالم الواقع، لا تزال هذه المخلوقات تنبض بالحياة على جدران الكهف المظلّلة المتصدّعة.
قبل حوالى 36 ألف سنة، دخل شخصٌ ما كان يعيش في زمنٍ لا يمكننا إدراك مدى اختلافه عن زمننا نحن.. دخل في الثغر الأصلي للحجرة التي نقف فيها الآن، وعلى ضوء النار المتقطّع بدأ في الرسم على الجدران الجرداء: فرسم أُسودَ كهوفٍ وقطعاناً من الكركدن والفيَلة، وثورَ بيسون رائعاً على الجانب الأيمن من العمل الفني، ومخلوقاً خياليّاً مركّباً -نصفه ثور بيسون والنصف الآخر امرأة- شكّله من مخروطٍ صخريّ هائل يتدلّى من السقف. أما حجرات الكهف الأخرى فتزيّن جدرانها رسوم خيول ووُعول وثيران الأُرْخُص، فضلاً عن بومةٍ رُسِمت بالطين بإصبع واحدة على الجدار الصخري، وثور بيسون هائل الحجم مشكّل من طبعات أيدٍ منقوعة بالمَغرة (طين أحمر يستخدم للصباغة)، ودِبَبة كهوف تمشي بتثاقل كما لو أنها تبحث عن مكانٍ تمضي فيه فترة سباتها الشتوي. وكثيرٌ من هذه الأعمال كان قد رُسِم بإتقانٍ بخطٍ واحدٍ متّصل.
كان مجموع الحيوانات التي صوّرها هؤلاء المبدعون 442 حيواناً، وربّما رسموها على مدى آلاف السنين، مستغلّين 36 ألف متر مربّع من الجدران كقماش للوحة زيتية عملاقة. وقد رُسم بعض هذه الحيوانات المصوّرة منفرداً، بل مخبّأً أحياناً، لكن أغلبها كان قد رُسم جماعات ضمن ما يشبه فسيفساء رائعة كهذه التي أنظر إليها الآن والتي تقع في القسم الأبعد غوراً من الكهف.
كان هذا الكهف، الذي حجبه انزلاق صخري عن الأنظار طوال 22 ألف سنة، قد ظهر للنور من جديد في شهر ديسمبر من عام 1994، عندما زحف ثلاثة مستكشفين للكهوف، وهم إلييِت برونيل وكريستيان إيلير وجان ماري شوفيه، عبر صدعٍ ضيّق في جُرف، وهبطوا إلى مدخل الكهف المظلم. وظلت وزارة الثقافة الفرنسية منذ ذاك الوقت تضرب حراسةً مشدّدة على هذا الكهف الذي بات معروفاً باسم «كهف شوفيه بون دارك».
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا