نظرة جديدة إلى الديناصورات

01 - أكتوبر - 2020

قلم: مايكل غريشكو

عدسة: باولو فيرزوني الرسومات الفنية: ديفيد بونادونا. الغرافيك: غابرييل أوغويتو

يعتمد علماء الأحافير على تقنيات علمية مبتكرة وسيلٍ من الأحافير المكتشفة حديثًا، ليعيدوا كتابة ما يعرفونه عن وحوش العصور السحيقة هذه: من ألوان جلودها وريشها، إلى طرق تنشئتها وعيشها وتطوّرها عبر الزمن.

في أمسية باردة من أماسي شهر يناير، وقفت "سوزانا ميدمنت" على شاطئ بحيرةٍ وسط لندن وهي تُحدق في مجموعة من الديناصورات. ميدمنت هي أحد القيّمين على متحف التاريخ الطبيعي في المملكة المتحدة، وقد رافقتني في جولة سياحية ضمن "منتزه كريستال بالاس" الذي ضم في عام 1854 أول معرض عامّ للديناصورات في العالم. وكانت التماثيل قد حققت لدى كشف النقاب عنها نجاحًا كبيرا، مولّدةً الهوس بالديناصورات الذي لم يفارقنا مُذّاك. فقبل أن يبهر "ستيفن سبيلبرغ" العالمَ بفيلمه "الحديقة الجوراسية"، كانت ديناصورات هذا المنتزه قد اجتذبت سنويًا مليونَي زائر على مرّ ثلاثة عقود بلا انقطاع، وكان "تشارلز ديكينز" قد أتى على ذكر أحدها في روايته التي حملت عنوان "المنزل الكئيب".
ولنحظى بنظرة تفصيلية إلى هذه التماثيل البالغ عمرها 166 عامًا، تولّت "إلينور ميشيل" و"سارة جين سلوتر"، أمينتَا جمعية "أصدقاء ديناصورات كريستال بالاس" الخيرية، إرشادنا من بوابة حديدية إلى ضفاف البحيرة، حيث انتعلنا أحذية مطاطية طويلة لنعبر بها الماء. لكنني خطَوتُ خطوة غير محسوبة وسقطت في الماء، فصعدت بصعوبة إلى شاطئ الجزيرة وأنا أقطر ماءً تفوح منه رائحة غثاء البحيرة. عندها صاحت سلوتر قائلة: "أهلًا بك في جزيرة الديناصورات"، وقد علت وجهها ابتسامةٌ عريضة. تبدو هذه المنحوتات الخضراء الشاحبة مهيبة، بل مستبدّة، وقد اكتنفتها نباتات السرخس ومساحات إسفنجية من الحزازيات. ومن بينها ديناصوران من نوع "إيغوانودون" (وهو ديناصور نباتي من العصر الطباشيري) يشبهان إيغوانا ضخمة بنتوء على خطم كل منهما تَبيّنَ للعلماء اليوم أنه كان شوكة على كلٍ من إبهامات هذه المخلوقات. ومن السهل أن ينجرّ المرء إلى نبذ مجموعة التماثيل هذه بوصفها قديمة الطراز أو بوصفها مناسبة للأفلام التجارية محدودة الميزانية؛ ولكن ميدمنت ترى ديناصورات "منتزه كريستال بالاس" على ما تمثله حقًا: ثمار آخر ما وصل إليه العلم في ذلك الزمن، بالاستناد إلى مقارنات بين حيوانات عاشت آنذاك والأحافير القليلة التي توافرت للباحثين حينها.
وما زال العلماء يعتمدون على تلك الطريقة لإعادة إنشاء هذه الوحوش الرائعة، مالئينَ الفراغات التي خلّفها غياب النسيج الليّن عن الأحافير التي أنهكها الزمن. وفي ذلك، أخبرتني ميدمنت، ونحن نتوقف قليلًا بين اثنين من التماثيل، أن العظام لا تَحفظ أي دليل على وجود خدود على وجوه حيوانات العصور الغابرة، "لكننا نعيد تكوينها كما لو أنها موجودة حقًا، لأن ذلك يفي بالغرض؛ فلحيوانات اليوم خدود". وقد اتبع نحّاتو المنتزه الأسلوبَ نفسه؛ إذ تقول ميدمنت: "لقد كانوا منطقيين تمامًا في إعادة تكوينها بهذه الطريقة بناءً على ما كانوا يعلمون". وخلال الفترة التي مضت من ذلك الزمن -وقد قاربت القرنين- كانت حصيلة ما تَعلّمه العلماء عن الديناصورات تفوق أقصى ما كان يمكن لصنّاع تماثيل "منتزه كريستال بالاس" أن يحلموا به. واليوم يشهد فهمنا لهذه المخلوقات ثـورة جديدة.. ثــورة مدفوعة بثروة من الأحافير المكتشفة حديثًا وتقنيات البحث المبتكرة. أما الطفرة العلمية الناتجة عن ذلك، فتجبرنا على إعادة النظر في التصوّرات السائدة عن حيوانات العصور الغابرة هذه.
فخلال بضعة أعوام مضت، كشف العلماء عمّا يقارب معدّلُه 50 نوعًا جديدًا من الديناصورات كل عام، وهي وتيرة ما كان أحد ليتوقعها قبل عقود. وتتراوح الأنواع المشمولة في الحصيلة المحدّثة من الديناصورات المكتشفة، بين مخلوقات طائرة صغيرة الحجم بأجنحة شبيهة بأجنحة الخفافيش، ووحوش نباتية جيداء مثّلت أضخم المخلوقات البريّة التي شهدتها الأرض على الإطلاق. وتتيح أجهزة المسح الطبية، ومسرّعات الجُسيمات، والتحاليل الكيميائية فصلَ الصخر عمليًا عن العظم ورؤية أدق المعالم الخفية. وقد أصبحت موسوعتنا الخاصة بالديناصورات تضم تفاصيل غير مسبوقة عن كيفية ولادتها ونشأتها وحياتها، بدءًا من ألوان البيض والريش وانتهاءً بأشكال الأدمغة. وبوجود هذه الأدوات في متناول اليد، فإن العلماء اليوم لا يعيدون صياغة المفاهيم الشائعة في الثقافة الشعبية عن الديناصورات فحسب، بل إنهم مجازيًا يعيدون هذه الحيوانات الرائعة إلى الحياة. وتعليقًا على ذلك، يقول "ستيف بروسات"، عالم أحافير لدى "جامعة إدنبره"، إنه عندما تتعلق المسألة باكتشاف الديناصورات: "فإنني أعتقد حقًا أننا نعيش الآن في العصر الذهبي لذلك".

ليس من العجيب أن يكون للديناصورات سحر فتّان دائم. فقد سادت هذه المخلوقات مختلف بقاع الأرض القديمة طيلة 150 مليون سنة، وعاشت على كامل البرّ الذي أضحى اليوم قارات العالم السبع. وكانت حياة الديناصورات مزدهرة جدًا عندما حكمت الأرض، فتأقلمت مع ظروفها لتغدو مجموعة كبيرة متنوعة من الأشكال والأحجام. ويقـدّر بروسات وغيـره عـدد أنواع الديناصـورات المنقرضة التي فهرسها العلماء، بأكثر من 1100 نوع؛ وهذا العدد لا يمثل سوى مجموعة فرعية من تلك التي عاشت فيما مضى، لأن التحجّر -أو التحول إلى أحافير- لم يحدث إلا في عدد قليل من البيئات. لكن قصّة هذه المخلوقات ما زالت مستمرة إلى اليوم؛ فعندما اصطدم كويكب بشبه جزيرة "يوكاتان" المكسيكية قبل 66 مليون سنة ومحا ثلاثة أرباع أشكال الحياة من الوجود على الأرض، فإن مجموعة واحدة نجت من الكارثة: ألا وهي تلك المخلوقات المريّشة التي نطلق عليها الآن تسمية "الطيور". ومع أن الأوساط العلمية الغربية لم تبدأ بدراسة الديناصورات رسميًا إلا في عشرينيات القرن التاسع عشر، فإن ما تعلّمناه يُظهر الكثير عن كيفية تأثّر حيوانات اليابسة بكوكبنا دائم التغيّر.
وإذْ تباعدت القـارات وتجمّعت، وارتفعت درجات الحرارة ومستويات البحـر وانخفضـت.. بقيـــت الديناصورات صامدة. فما الدروس التي يمكن أن نستخلصها من صمودها وسهولة تأقلمها؟ إن رواية قصة ملحميّة كهذه تتطلّب مسعًى عالميًا للبحث عن عظام الديناصورات؛ واليوم نشهد غزارة غير مسبوقة في مكتشفات علماء الأحافير في مختلف أنحاء العالم، من زيمبابوي إلى ألاسكا. تعدّ منطقة شمال إفريقيا من أغنى المناطق باللُّقى الأحفورية الجديدة. وقد يصعُب على شخصٍ يتصبّب عرقًا تحت شمس الصحراء المغربية الحارقة -حيث تبلغ الحرارة 41 درجة مئوية- أن يتخيّل أن هذه الأراضي كانت ذات يوم خضراء يانعة تقطعها أنهُـرٌ عميقة بما يكفي لإيواء أسماكٍ يماثل حجم الواحدة منها حجمَ سيارة. لكن مستكشف ناشيونال جيوغرافيك، "نزار إبراهيم"، وفريقه من علماء الأحافير، قد عادوا إلى هذه المنطقة عامًا بعد عام في مسعى لملاحقة أحد أغرب الديناصورات التي اكتُشفت على الإطلاق: إنه وحش نهري يدعى "سبينوصور" (Spinosaurus Aegyptiacus).
وكانت أولى أحافير سبينوصور قد اكتشفت في مصر في العقد الثاني من القرن الماضي، لكنها دُمّرت في غارة جوية على "متحف ميونيخ" بألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. مع ذلك، فإن ما بقي من ملاحظات ميدانية ورسومات وصور للأحافير الأصلية، فضلًا عن بضعة عظام وأسنان عُثر عليها لاحقًا في القرن العشرين، أوحى بأن هذا المخلوق الغامض شراعيَّ الظهر كان يعيش نوعًا من الحياة المائية. فعلى سبيل المثال، كانت لديناصور سبينوصور أسنان مخروطية مهيّأة تمامًا للقبض على الأسماك؛ فقدّر علماء الأحافير أن هذا الوحش ربما كان يطوف في المياه الضحلة ويخطفها من الماء، كما تفعل طيور مالك الحزين والدببة البنية اليوم. لذا كان نزار إبراهيم وزملاؤه قد أثاروا ضجةً إعلامية ضخمة عام 2014 عندما وصفوا هيكلًا عظميًا غير مكتمل لهذا الحيوان في المغرب، واستعملوه لإقامة الدليل على أن السبينوصور أمضى قسطًا كبيرًا من وقته في السباحة وفي تناول غذائه في الماء. ولدعم مزاعمه، عاد فريق نزار إلى ذلك الموقع القاحل عام 2018 بمساعدةٍ من "الجمعية الجغرافية الوطنية" الأميركية، راجينَ العثور على مزيد من بقايا ذلك المخلوق. لكن التنقيب كان عصيبًا للغاية. فلإزالة أطنان من الصخر، عمد الفريق إلى شراء آلة الثقب اليدوية الوحيدة التي تعمل في المنطقة والتي ما لبثت أن انكسرت خلال دقائق معدودة، فاضطروا لطلب إصلاحها إلى البائع نفسه الذي كان قد باعهم إيّاها. كما أُدخل غيرُ واحدٍ من أعضاء الفريق المستشفى لدى عودتهم إلى ديارهم نتيجة الإعياء.
ولكـن، وبفضـل الطاقـة التي أمدّتهـم بها شـوكولا "نوتيـلا" والاكتشاف الرائع الذي كانوا موعودين به، أخذوا يكشفون عن فقرة بعد فقرة من ذيل السبينوصور، حتى كان الفاصل بين اكتشاف وآخر لا يزيد أحيانًا عن بضع دقائق وبضعة سنتيمترات. وكانت نشوة هؤلاء المنقّبين بكنز الأحافير الذي اكتشفوه قد بلغت بهم مبلغًا أنهم أخذوا يستعملون آلة الثقب بطريقة إيقاعية ويصدحون بالغناء.
ويُعـدّ طرف الذيل هذا، الذي يتخذ هيأة مجداف يبلغ طوله نحو خمسة أمتار، والذي كانت قد كشفت عنه مجلة (Nature) في وقت سابق من عام 2020، أكبرَ تأقلم مائي يُكتَشف لديناصور مفترس ضخم. وقد وسّع هذا الكشف -الذي لم يتحقق إلا بصعوبة- آفاقَ تصوّر الباحثين للطريقة التي كانت تتحرك بها الديناصورات في بيئاتها. وتعليقًا على ذلك، قال لي نزار: "سيغدو هذا رمزًا، بل رمزًا بارزًا ودائمًا، لعلم الأحافير في إفريقيا".

تبـدو قصـة سبيـنوصــور، بمشاهدها الصحراوية وغرابة مُلابساتها التاريخية، كما لو أنها قد اقتُبست من نصّ فيلم. لكن البحث الخاص بأحفورة الذيل الذي تلا ذلك، يُظهر إلى أي مدى يمكن لدراسة الديناصورات اليوم أن تكون مختلفة عن سابق عهدها. فضمن سياق عمل نزار، سافر الرجل من مدينة الدار البيضاء إلى مدينة كامبردج في ولاية ماساتشوسيتس الأميركية، ومختبر "جامعة هارفارد" الذي يشرف عليه عالم البيولوجيا، "جورج لودر". لا يتحرّج هذا الأخير من الإقرار بأنه ليس بعالم أحافير؛ فهو متخصّص في دراسة الطريقة التي تتحرّك بها الحيوانات المائية في الماء، مستعملًا روبوتاتٍ وكاميرات فائقة السرعة لاستنتاج كيفية سباحتها. ولوضع السبينوصور موضع الاختبار، ركّب لودر قطعة بلاستيكية برتقالية اللون بطول 20 سنتيمترًا مقصوصة كهيأة ذيل هذا الديناصور على قضيب معدني متصل بمحوّل للقوة تبلغ قيمته 5000 دولار -يمثّل جزءًا من "زعنفة" روبوتية متدلية من السقف. وإذ تولّى لودر إنزال الروبوت في مَسيلٍ استعدادًا لاختباره، علّقت "ستيفاني بيرس"، عالمة بيولوجيا الأحافير لدى "جامعة هارفارد"، على الجهاز مازحةً بالقول: "إنه يشبه آلة تعذيب من القرون الوسطى". وهذه العالمة نفسها هي التي صمّمت الاختبارات وأشرفت عليها. وما إن انغمر الذيل في الماء حتى بُعثت فيه الحياة، فطفق يخفق جيئة وذهاب مرسلًا بيانات من الجهاز إلى حواسيب موجودة في الجوار. وتُظهر نتائج دراسة بيرس ولودر أنه كان بمقدور ذيل السبينوصور أن يولّد اندفاعةً إلى الأمام في الماء تفوق بأكثر من ثمانية أضعاف، الاندفاعات التي كانت تولّدها ذيول نسيباتها من الديناصورات التي كانت تدبّ على الأرض. وهكذا يبدو أن هذا الوحش الذي فاق طولُه طولَ "تيرانوصور ركس" (Tyrannosaurus rex) كان يتّخذ سبيلَه في الأنهر سباحةً كما تفعل التماسيح. وتعليقًا على هذا التعاون بين أصحاب الاختصاصات المختلفة، تقول بيرس: "هكذا بدأنا: عالِم أحافير متخصص في الديناصورات يتصل بعالم أحافير آخر، والذي بدوره يتواصل مع خبير روبوتات حيوية متخصص بالسمك. وهكذا إن كان المطلوب إجراء بحث عصري بالغ التقدّم، فإن ذلك يتطلب فريقًا مؤلفًا من أشخاص ذوي خلفيات دراسية ومهنية متنوعة جدًا".
هذه الأنواع من التجارب المخبرية متعددة التخصصات هي ما يَسـِم البحوث الخاصة بالديناصورات اليوم. فالحواسيب الحديثة تتيح للعلماء معالجة مجموعات من البيانات الضخمة عن معالم الهياكل، وكذا رسمَ أشجار عوائل الديناصورات. فالفحص الدقيق لشرائح من العظم أرقّ من ورق الطباعة تُظهر وبالتفصيل طول طفرات النمو لدى الديناصورات وتوقيت تلك الطفرات. وبالاعتماد على النماذج نفسها المستعملة للتنبّؤ بالتغيّر المناخي، يستطيع علماء الأحافير افتراضيًا رمي كويكبٍ على كوكب الأرض كما حدث قبل 66 مليون سنة، ليراقبوا كيفية انكماش الموائل الطبيعية للديناصورات نتيجة الشتاء الطويل الناتج عن الصدمـة، الـذي أدى إلى فناء هذه المخلوقات. ولكنْ قليلةٌ هي التقنيات التي غيّرت نظرتنا إلى الديناصورات بشدّة كما فعلت التقنية الطبية للمسح بالتصوير الطبقي المُحَوْسَب (CT)، التي أصبحت الآن أداة أساسية ضمن جعبة علماء الأحافير. وتعليقًا على ذلك، يقول "لورانس ويتمر"، عالمَ أحافير لدى "جامعة أوهايو": "لقد استطعنا [بفضل هذه التقنية] سحب كل هذه العظام المنقرضة إلى داخل حاسوب حيث يمكننا التعامل معها. نستطيع إعادة تشكيل القطــع المفــقودة، وتطبيق اختبارات تصادم، وإجراء عمليــات محاكــاة، وفهم الطريقة التي كانت تعمل بها هذه الحيوانات بالفعل فهمًا أفضل".

كما أن عملية المسـح هذه تقضي على مقايضة سابقة تتعلق بمدى التضحية بطبعات النسيج الليّن للأحفورة في سبيل تعرية العظام فيها. وما أكثر القصص عن طبعاتٍ لجلود ديناصورات تعرّضت للسحق وتحوّلت إلى غبار خلال التحضير لذلك. أما اليوم، فإن تقنية المسح تتيح للباحثين عمليًا فصلَ العظام عن الصخر. يقول "مارك ويتون"، وهو فنان متخصص في الأحافير لدى "جامعة بورتسموث" البريطانية: "إن ذلك يدفع المرء إلى أن يتساءل عن ماهية الأشياء التي كنا سابقًا قد أغفلناها أو جرفناها من الوجود". وقد نتج عن الشعور العصري بالحذر والاحتراس عند العمل في هذا الاختصاص سيلٌ من المكتشفات. وفي الآونة الأخيرة، استعمل ويتمر صورًا ولّدتها تقنية (CT) لإظهار كيف أن مجموعات رئيسة من الديناصورات كانت قد ظهرت فيها أنظمة متمايزة لتكييف الهواء في الجمجمة لحماية أدمغتها من الحرارة الزائدة. فقد اعتمدت الديناصورات المدرّعة -مــثل "يوبلوسيفالـوس" (Euoplocephalus)- عــلى مجارٍ أنفية، تطوّرت لتغدو مواسير شبيهة بأنابيب شفط الشراب الملتوية لطرح الحرارة بينما يتنفس الحيوان، مبّردةً بذلك الدم المتوجّه إلى الدماغ. وعلى خلاف ذلك، كانت المفترسات الضخمة مثل "تيرانوصور" تطرح الحرارة الزائدة بفضل الجيوب الكبيرة التي كانت في خطمها. فكما ينفخ الحدّاد في كيره، كانت هذه الديناصورات تلوي فكوكها لدفع الهواء داخل هذه الجيوب وخارجها، جاعلةً الرطوبة تتبخر منها وقد امتصّت الحرارة بعيدًا عنها، كما يفعل إفراز العرق في يوم حارّ.
كما أن الصور التي تولّدها تلك التقنية تعطينا فكرة عن كيفيّة تحرّك الديناصورات وتغيّرها في المراحل المختلفة من نموّها. فباستعمال فيديوهات ملتقطة بالأشعة السينية وصور متحركة مولَّدة حاسوبيًا لتماسيح وطيور، صنع "رايان كارني" -العامل لدى "جامعة جنوب فلوريدا"- نماذج مجسّمة كشفت عام 2016 عن أن الديناصور المريّش، "أركيوبتركس" (Archaeopteryx)، كان يستطيع خفق جناحيه بطريقةٍ مكّنته من الطيران بالقوة الذاتية. ولفهم كيف نما الديناصور النباتي، "موصور" (Mussaurus) الذي كان يقطن بإقليم باتاغونيا في أميركا الجنوبية، جمع الباحث الأرجنتيني، "أليخاندرو أوتيرو"، صورًا ملتقطة لعظام هذا الديناصور بتقنية (CT) في حاسوب لمحاكاة وقفته في مراحل عمرية مختلفة. وكانت النتيجة أن فراخ الموصور التي خرجت من بيضها حديثًا كانت -شأنها كشأن أطفال البشر الرضّع- تدبّ على أطرافها الأربعة ومن ثم تتحوّل بنضجها شيئًا فشيئًا إلى وضعية أكثر قوامًا لتنتصب على أطرافها الخلفية. وكلما أمعن علماء الأحافير النظرَ في كل قطعة جديدة من العظم، كشفوا عن تفاصيل نفيسة عن الماضي؛ وهو ما حتّم عليهم رفع مستوى أدواتهم.

في الركن الشمالي الغربي من مدينة غرونوبل الفرنسية، وعلى لسانٍ مثّلث الشكل من اليابسة عند ملتقى نهرين، يرتفع من قلب الضباب الدخاني مبنى كهيأة حلقة رمادية يبلغ محيطها 850 مترًا. ويوحي المجسَّم كما لو أنه سفينة لمخلوقات فضائية حطّت بها في جبال الألب لممارسة التزلّج. يمثل هذا المبنى ذو الحضور الغريب، "المنشأة الأوروبية للإشعاع بالمسرّع الدوراني التزامني" (ESRF، اختصارًا)، والتي أصبحت في الأعوام الأخيرة قِبلة لعلماء الأحافير؛ وذلك بفضل "بول تافورو"، الذي يعمل باحثًا هناك. تؤوي المنشأة مسرّع جسيمات يقذف الإلكترونات في مدار دائري بسرعة تقارب سرعة الضوء. وإذ يقطع شعاع الإلكترونات أشواطه، ينثني سيل الجسيمات بتأثير مغانط (جمع مغناطيس) مثبتة على طول المسار الدائري. وتُطلق الجسيمات بفعل هذا الإخلال، بعضًا من أكثر الأشعة السينية كثافة في العالم؛ فيستعملها الباحثون أحيانًا لدراسة موادّ وأدوية جديدة. أما تافورو فيختص باستعمال الأشعة السينية للنظر داخل الأحافير التي لا تستطيع تقنية (CT) أن تفهم كُنهها، وبدرجات من الدقة لا تستطيع هذه التقنية بلوغها.
وبينما اصطحبني تافورو في جولة داخل الأحشاء الحديدية والإسمنتية للمسرّع، سألته عن المدى الذي يمكن أن يصل إليه تبصُّر هذه الآلة. فأشار إلى صندوق عرضٍ يحوي أمثلةً مطبوعة بتقنية الطباعة المجسّمة لأحافير كان قد صورها سابقًا بالأشعة السينية. كانت أجزاء من أحدها، وهو جُحر عمره أكثر من 250 مليون سنة، قد صُوّرت بتقنية المسح هذه بدقة متناهية إلى درجة أنها كشفت عن تفاصيل لا يقل عرضها عن عرض كرية دم حمراء بشرية. وفي الظروف المناسبة تمامًا، فإن عمليات المسح التي يجريها تافورو تُظهر معالم عرضها أقل من واحد من مئة جزء من عرض الكرية الحمراء. تلكم قدرةُ هذه المنشأة التي يمكن تشبيهها بعدسة مكبرة بحجم ملعب كرة قدم. ولكن القدرة العظيمة تتطلب مسؤولية عظيمة. لذا فإن تافورو يوضح للطلاب الجدد أهمية السلامة والأمان باستخدامه شعاعًا غير مصفّى لإضرام النار في بعض الأشياء وتحميص حبّات من البنّ. وفي ذلك، يقول: "معظم الأشعة التي نستعملها لتصوير الأحافير تستطيع قتل المرء خلال ثوان". وقد صنعت كثافة الأشعة التي تولّدها المنشأة الأعاجيبَ لمصلحة "دينيس فوتن" الذي يعمل لدى "جامعة أوبسالا" السويدية، والذي استعملها ليقطّع بها -عمليًا- أحافير ديناصور "أركيوبتركس" إلى شرائح ويتتبّع بها المقاطع العرضية للعظام بالتفصيل الدقيق. ولأنه يتوجب على العظام تحمّل إجهاد عملية الطيران، فإن بِنيتَها الهندسية يمكن أن تكشف أساليب هذا الحيوان في الطيران. وصحيحٌ أن بِنية "أركيوبتركس" لم تسمح له بأداء خفقة شبيهة تمامًا بخفقة جناح طائر، فإن المقاطع العرضية لعظام جناحيه تشبه إلى حد بعيد مثيلاتها في عظام جناحي طائر الدريجة الذي يعيش في العصر الحديث، والذي يطير بطفرات قصيرة. وفي ذلك إشارةٌ مذهلة إلى الطريقة التي كان يتنقّل بها هذا الديناصور بين سلسلة الجزر الجوراسية التي يُعتَقد أنها كانت تمثّل وطنه الذي عاش فيه قبل 150 مليون سنة؛ وهو الذي يمنحنا لمحة رمزية عن مسيرة تطوّر الديناصورات إلى طيور. أما "كيمي شابيل"، من "جامعة ويتواترسراند" في جنوب إفريقيا، فقد استعملت المنشأةَ للنظر داخل أقدم بيض ديناصور عـــرفه العـالم؛ وهـــو بيــض لدينــاصـور "ماسوسبــونـديلوس" (Massospondylus) النباتي الذي كان يعيش في ما أصبح اليوم جنوب إفريقيا. وقد أتاحت لها الأشعة السينية إعادة بناء جماجم الأجنّة التي داخل البيض، وصولًا إلى الأسنان الناعمة التي كان فرخ الديناصور قد طرحها أو أعاد جسمه امتصاصها قبل أن يخرج من بيضته. ولأجنّة الوزغ (أبو بريص) الحديثة كذلك هذه الأسنان الأولية، على أنّ آخر سلف مشترك للوزغ والديناصورات كان قد عاش قبل أكثر من ربع مليار سنة. ويعود الفضل جزئيًا إلى الوزغ في استنتاج شابيل أن أجنّة "ماسوسبونديلوس" هذه كانت قد ظلّت حيّة على مرّ ثلاثة أخماس فترة الحَضن قبل نفوقها؛ فحصلنا بذلك على لمحة من كثب إلى مخلوقٍ هلكَ سريعًا قبل أكثر من 200 مليون سنة. وتعليقًا على ذلك، قالت لي شابيل: "إن ذلك يجعل الديناصورات تبدو أكثر واقعية بكثير".

في كل ربيع، يستقبل "معهد علم الأحافير الفقارية وأنثروبولوجيا الأحافير الفقارية" (IVPP، اختصارًا) في بكين ظاهرةً ترمز إلى طبيعة الحياة الزائلة؛ إذ تكتسي العاصمة الصينية بدثارٍ من زهر الكرز والبرقوق. ويطغى المشهد الفاتن هنا على مشاعر "جينغماي أوكونور"، الباحثة لدى المعهد؛ إذ هناك تماثيل "غرغول" زخرفية ميزابية منحوتة كهيئات أسماك وديناصورات وسِـنَّوريات مسيّفة الأنياب تطلّ من المبنى الرئيس للمعهد على مجموعات ضاحكة من طلاب المدارس. تقول الباحثة: "الموقف أشبه بالذهاب إلى مدينة ملاهي متخصصة بعلم الأحافير". أما من الداخل، فإن المعهد أشبه بآلة زمن من شبهه بمنتزه ترفيهي. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ظل المزارعون والباحثون وباعة الأحافير في مقاطعة "لياونينغ" -شمال شرق الصين- يجلبون مئات الأحافير التي زادت فهمنا لمظهر الديناصورات وسلوكها. وكثير من هذه الأحافير يحتفظ بآثارٍ لأرياش تؤكد أن الديناصورات كانت قد اكتست بالريش قبل وقت طويل من طيرانها. كما يُظهر بعض الأحافير، وبطريقة رائعة، أن أنواعًا من الديناصورات، غير تلك الأقرب نسبًا إلى الطيور، كانت قد حاولت هي الأخرى تحديَ الجاذبية.
وقليلةٌ هي الديناصورات التي تبرز مدى تغيّر نظرتنا إلى هذه المخلوقات أكثر من تلك التي تدعى "السكانسوريوبتيريكسيّات" (Scansoriopterygids)، وهــي مجمـوعــة غامضــة مــن الديناصورات الجوراسية باسم لاتيني يتعذّر لفظه بسهولة. وكان بعض العلماء يعتقد فيما مضى أن هذه الحيوانات، التي لا يتعدى حجم الواحد منها حجم غراب، كانت تستعمل أصابعها البالغ طولها 10 سنتيمترات لالتقاط الحشرات، كما تفعل ليمورات "آي آي" اليوم. ولكن في عام 2015، كشف باحثو المعهد الصيني المذكور آنفًا النقاب عن عضوٍ غريب في المجموعة يمثل خاتمة سلسلة تطوّرية نحو الطيران لم تكلل بالنجاح. فعلى خلاف أي ديناصور آخر عُثر عليه، كان لهذا المخلوق، ويدعى "يي تشي"، جناحان غشائيّان شبيهان بأجنحة الخفافيش مدعومان بأصابعهما الخارجية الطويلة ومهمازين عظميّين مِعصَـميّين. وعن هذا الاكتشاف، تقول أوكونور: "هذا هو جوهر القصة: عيّنة مهمة للغاية قلبت -عمليًا- كل ما كنا نحسب أننا نعرفه.. رأسًا على عقب". وتحتفظ أحافير الصين، وكذلك أحافير مواقع لا تقلّ روعة من العالم، ببقايا من مختلف أنواع النسيج العضوي. وكان باحثون قد أعلنوا عام 2014 عثورهم في غرب كندا على "إدمونتوصور ريغــاليـس" (Edmontosaurus regalis)، ونــوع مــن "بطيّات المنقار" أو "الهادروصوريات"، علا رأسَـه عرفٌ لحميّ متحنّط، كذاك الذي يعلو رؤوس الديَكة. ولم يكن أحد قد عرف بوجود هذا النسيج لدى هذا الديناصور، مع أنهم عرفوا نوعه نفسَـه قرابة قرن من الزمن. وكانت عظام الديناصورات قد أظهرت أن هذه المخلوقات استعملت أجزاءً مضخّمة من أجسامها لاجتذاب أزواج لها أو للتنافس على مكانة أفضل في الهرم الاجتماعي -كما تفعل حيوانات اليوم- أو للعثور على نسيباتها. وبفضل الأنسجة اللينة التي يحملها "إدمونتوصور" وغيره من الديناصورات، فإن علماء الأحافير يحظون بمؤشرات على البهاء الحقيقي لهذه المعروضات الحيوانية. وفي حالات قليلة، يمكن للباحثين أن يستشفّوا حتى المُركّبات الكيميائية الأصلية لهذه الحيوانات. ففي عام 2008، استنتج فريق من العلماء برئاسة عالم الأحافير، "ياكوب فينتر"، الذي يعمل حاليًا لدى "جامعة بريستول" البريطانية، أن الجُسيمات الميلانينيّة -وهي أكياس دقيقة ضمن الخلايا مملوءة بصبغ الميلانين- يمكنها أن تتحجر فتتحول إلى أحافير. وقد فتح هذا الاكتشاف الباب على مجالٍ كان يُعتقد سابقًا أنه مستحيل، ألا وهو: استنتاج ألوان جلود الديناصورات المنقرضة وأرياشها، وذلك بناءً على أشكال الجسيمات الميلانينيّة وأحجامها وترتيبها.
لكن عمليات إعادة البناء هذه ليست بلا محاذير؛ فعدا عن الميلانين، توجد في حيوانات اليوم أصباغ أخرى؛ وأغلب الظن أنها كانت توجد كذلك لدى بعض الديناصورات المنقرضة. ومع ذلك، فقد كانت بعض المكتشفات الحديثة في هذا المجال مذهلة؛ إذ عرفنا مثلًا أنه كان لدى ديناصور "أنكيورنيس" (Anchiornis) -أو "قريب الطير"- الذي عاش في ما أصبح اليوم الصين، عرفٌ ريشيٌ ضاربٌ إلى الحُمرة؛ وأن جلد "سيتاكوصور" (Psittacosaurus) -وهو أحد أبكر أنواع الديناصورات "مثيلات قرنيات الوجه" (Ceratopsia)- كان بلون أسمر ضارب إلى الحمرة، أسهم في نشوء أحد الأشكال الأولى للتمويه لدى الديناصورات. وفي عام 2018، أفاد فريق أبحاث دولي أن أرياش "كايهونغ" (Caihong) -وهو ديناصور عاش في الإقليم نفسه حيث عاش "يي تشي"- كانت تتألّق فيما مضى بألوان قوس قزح. وقد تدوم جزيئات أخرى من جزيئات الحياة، لتصل إلينا من الزمن السحيق. ففي أوائل الألفية الثالثة، تسببت عالمة الأحافير، "ماري شوايتزر"، التي تعمل لدى "جامعة ولاية كارولينا الشمالية"، في ضجة إعلامية عندما اكتشفت أن أحافير بعض الديناصورات -منها عيّنات للتيرانوصور- ضمت بقايا عضوية محفوظة، منها خلايا وعروق دموية بل وربما حتى بقايا بروتينيّات. ومذّاك، وشوايتزر وعدد متزايد من العلماء يتساءل كيف يمكن لموادّ كتلك أن تظلّ على حالها؛ وما الذي يمكننا أن نتعلمه منها.

في مدينة نيو هيفن بولاية كونيكتيكت، زُرتُ "ياسمينة فيمان"، المرشّحة لنيل شهادة الدكتوراه في "جامعة ييل"، حيث أرتني في مختبرها كيف تطحن قطعة صغيرة من عظم "ألوصور" (Allosaurus) بهدف تحليلها. بعد أن انتهت من ذلك، نقلت مسحوق العظم إلى أنبوب وطلبت إلي إضافة محلول حمضي عليه؛ فأزبَد وتحوّل لونه إلى بنّي داكن. هنالك قالت فيمان: "إنه يذكّرني قليلًا بمشروب كوكا كولا". وتحت عدسة المجهر، رأيتُ أن المادة اللزجة التي خلّفها التفاعل شملت كتلًا ذات قوام إسفنجي بلون خشب الماهوغني البني الضارب إلى الحمرة، تتخللها خربشات سوداء. لم أصدق ما رأته عيناي؛ فتلك القذارة البنية كانت ذات يوم نسيجًا غنيًا بالبروتينات. أما الخربشات فتمثل جدران خلايا كانت حية قبل أكثر من 145 مليون سنة في وحشٍ جوراسيّ مفترس بارز الأسنان بلغ طوله عشرة أمتار. وبعد مضيّ ملايين السنين، كثيرًا ما تُحوّل الحرارةُ والضغط طبيعةَ هذه الأنواع من البقايا المجهرية بالتفاعلات الكيميائية. ولكن، ومع أن وضعها قد تغيّر، فإن هذه المواد تحتفظ بإشارات لا تقدَّر بثمن إلى سلوك الديناصورات. ففي دراسة صدرت عام 2018، أظهرت فيمان أنه عند إلقاء شعاع ليزر على قشر بيض بعض الأنواع من الديناصورات، فإن الضوء المتشتت يكشف عن وجــود مــركبــات "البـــروتـوبـورفيـريـن" (protoporphyrin) و"البيليفردين" (biliverdin) متفككة، وهي المركبات التي تمنح اللون والأشكال المنقطة لبيض الطيور الحالية.
وبناءً على ذلك التحليل، فإن لون البيض المتكلّس لديناصور "دينونيكوس" (Deinonychus)، الذي تجمعه صلة قرابة بديناصور "فيلوسيرابتور" (Velociraptor)، كان ضاربًا إلى الزُرقة؛ مما يوحي بأن أعشاشه كانت مفتوحة على الهواء الطلق وبأنه كان يحتضن بيضه، كما تفعل طيور اليوم التي لها بيض ملوّن تلوينًا مشابهًا. وعلى خلاف ذلك، فإن الأجنّة المتحجرة لديناصور "بروتوسيراتوبس" (Protoceratops) التي عُثر عليها في منغوليا وأجنّة ديناصور "موصور" (Mussaurus) التي وُجدت في إقليم باتاغونيا في أميركا الجنوبية، محاطةٌ بما كان في يوم من الأيام قشرة بيض جلدية؛ وذلك وفقًا لدراسة شاركت فيمان في تأليفها عام 2020. وهذا الاكتشاف لا يشير إلى أن تلك الديناصورات كانت تدفن بيضها كما تفعل السلاحف البحرية اليوم فحسب، بل وتشير كذلك إلى أن بيض الديناصورات الأولى كان ليّنًا هو الآخر. وبذلك يُضاف منعطفٌ مهم إلى قصة تطوّر الديناصورات؛ إذ إنه يعني أن القشرة الصلبة للبيض (الشائعة لدى جميع المخلوقات المصنّفة ضمن فرع الديناصورات) لم يكن قد نتج عن أصل مشترك، بل إن سِمَة الصلابة تلك كانت قد ظهرت بالتطوّر ثلاث مرات على أقل تقدير.

تُظـهر الإنجـازات العلميـة -أكثر مـن أي شـيء آخـر- أن الديناصورات لم تكن تلك الوحوش أحادية الصرخة التحذيرية المرعبة التي نراها أحيانًا في البرامج أو الأفلام التي أفرزتها الثقافة الشعبية. إذْ كان بعضها يتودّد إلى بعض بعروض مستفيضة معقدة، ويتشاجر على مكانة أفضل في الهرم الاجتماعي، وكانت تشكو كسورًا في عظامها وكذلك من التهابات. وكانت تطارد الحشرات لتتلقّفها، وتقضم السراخس. كانت أيامها لا تقلّ غنًى وتنوّعًا، وسُعارًا واعتياديّة عن أيام تلك الطيور التي نراها في الهواء الطلق من نوافذنا. بل حتى "تيرانوصور" الأكبر والأشرس كان يقيل قيلولةً أحيانًا. إنها حقيقة أدركتُها وأنا أمشي في مختبر الأستاذ المساعد لدى "جامعة ييل"، "بهارت-أنجان بهولار"، الذي يقع مكتبه المكتظ على الطرف الآخر من القاعة التي يحاذيها مكتب فيمان. وصحيح أن بهولار يعمل في قسم الجيولوجيا، لكنه لم يحضر في حياته سوى ثلاثة دروس في هذا المجال؛ فهو يدرس الأحافير وأجنّة حيوانات اليوم في محاولة لمعرفة الطريقة المبهمة التي "أَنجبَت" بها ديناصوراتُ العصور السحيقة طيورَ اليوم.
وإنْ كان هناك شخصٌ في الدنيا يستطيع تعديل طائرٍ تعديلًا وراثيًا ليجعل منه "دجاجَـصور"، فأغلب الظن أنه سيكون بهولار. ففي دراسة صدرت له عام 2012، وجد هذا الرجل أن جماجم الطيور تمثل نسخًا معدّلة من جماجم ديناصورات ناشئة من حيث نموّها الجسدي؛ إذ كان لجماجم الديناصورات الناشئة عظام أرقّ وأكثر مرونة، طوَّرَت منها الطيورُ المناقير التي نراها اليوم. وقد بقيت أجزاء من عُـدّة النمو المرحلي للديناصورات في مورّثات الطيور. وقد أظهر بهولار كذلك أنه بسدّ المسارات الجزيئية الخاصة بالمنقار، فقد ينتج عن ذلك حصول أجنة الدجاج على خطومٍ شبيهة بخطم "أركيوبتريكس". وعلى امتداد مخطط جسم الطيور، وجد بهولار أمثلة أخرى لافتة للنظر على الطريقة التي تختصر بها أجنّة الطيور جوهريًا تاريخ تطوّرها. وقد أراني صورة ملتقطة بالمجهر للطرف الأمامي لطائر سَمّان، والذي يبدو تمامًا كذراع ديناصور جارح، وصولًا إلى كفّه الديناصوريّ الصغير. قال بهولار مندهشًا: "هذه ذراع دينونيكوس! انظر إليها!"، مشيرًا إلى شاشة حاسوبه المحمول. ولا ينمحي هذا الشكل السلفي ليحل محلّه شكل جناح الطائر المألوف إلا عندما يقترب موعد فقص البيضة. حتى بعد مُضي وقت طويل على مغادرتي "جامعة ييل"، لم أستطع التوقف عن التفكير بمخلب جنين طائر السمان الذي رأيت. لا عجب، فبعد أن أمضيت سنين طويلة وأنا أكتب عن الديناصورات المنقرضة، أصبحتُ معتادًا التفكير بها كما لو أنها في خبر كان. والحال أنها ما زالت معنا، فأشباحها تسكن بيض سليلاتها من الطيور.
نعودُ الآن إلى جزيرة الديناصورات في لندن، حيث تزداد تلك الروابط بين الماضي والحاضر، وقد أوشكت زيارتنا على الانتهاء. وبينما انتهى عالم الديناصورات في لمح البصر، فإن ديناصورات "كريستال بالاس" تواجه تهديدًا زاحفًا أبطأ. أُضيفت هذه التماثيل إلى سجلّ المملكة المتحدة للمعالم التراثية المهددة بالزوال، ولكن غياب الصيانة قد سمح للتصدّعات بشق طرقٍ في كثير من أسطحها الخارجية. وفي مايو 2020، كان جزءٌ من وجه تمثال "ميغالوصور" (Megalosaurus) الموجود على الجزيرة قد سقط، وهو ضرر ناتج إما عن التلف الطبيعي التدريجي أو ربما عن تخريب متعمَّد. ويجري حاليًا وضع خطط للترميم، بقيادة جمعية "أصدقاء ديناصورات كريستال بالاس" الخيرية. وبوجود حاجة إلى التحديث في كل ما يحيط بنا، سألتُ ميدمنت كيف تفترض أن يبني علماء اليوم نسختهم من "منتزه كريستال بالاس"، فأجابتني إجابة رائعة، قائلةً إنه لو كانت المسألة بيدها، لملأت المنتزه بالطيور. طفق سرب من النوارس يحوم من فوقنا ثم حطّ في المياه التي تلينا. هنالك قالت لي ميدمنت: "كما تَعلم، فإن الديناصورات هي أكثر الفقاريات الحية تنوعًا على وجه الأرض اليوم.. إنها لم تنتهِ قطّ!".
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ