طب حسب الطلب

01 - يناير - 2019

بقلم: فران سميث

عدسة: كريغ كاتلر

نحن على أعتاب عصر جديد من العناية الصحية؛ ذلك أن طب الدقة والإحكام سيراقب صحتنا لحظة بلحظة، ويتنبّأ باحتمال إصابتنا بالسرطان أو أحد أمراض القلب أو أي علّة أخرى.. ومن ثم يبتكر علاجات دقيقة ومناسبة لكل منا.

بعد مُضي اثني عشر عاماً على شفاء "تيريزا ماك كيوين" من المرحلة الثالثة لمرض السرطان، بفضل نظام قاسٍ من العلاج الكيميائي وخضوعها لعملية استئصال لثديَيها.. عاودَ المرضُ الظهورَ بشراسة أكبر من ذي قبل. ولم يعد ينفع العلاج الكيميائي في شيء. صارت ماك كيوين تجلس في كرسيّها بغرفة المعيشة يوماً بعد يوم وقد بلغ بها المرض مبلغاً جعلها لا تقوى على الحراك. هنالك حرصت على التدوين في أربع مذكّرات يومية خصصَت إحداها لزوجها والبقية لكل من أولادها الثلاثة البالغين، إذ استجمعت ما يكفي من قوة لتكتب أفكارها عن مستقبل لم تتوقع أن تتقاسمهم العيش فيه.
ذبلت ماك كيوين واضمحلت حتى إن وزنها انخفض إلى 44.5 كيلوجرام، لأن الأورام التي في أحشائها كادت تجعل من المستحيل عليها أن تأكل. لم يكن الهلع أو الغضب من طبيعتها، إلا أنها أقرّت بأنها شعرت بالأسى قُبيل إجراء جراحة لإزالة ذلك الانسداد؛ إذ تَذكر أنها قالت لابنتها الكبرى: "رجائي كل رجائي أن أُتوفّى بسرعة في حال لم تسر الأمور على ما يرام أو طرأت مضاعفات بعد هذه الجراحة؛ فأنا لا أعرف كم من الألم الإضافي يمكنني تحمّله".
على أنها لم تفقد عزمها واستماتتها، إذ سألَتْ طبيبَها الجرّاح، "جيسون سيكليك"، هل يعلم بوجود أي علاجات قيد الاختبار قد تمدد أجلها في الحياة. ومن حسن المصادفة، فقد كان هذا الطبيب على رأس فريق بحثٍ يستند إلى أحدث ما جَدَّ في مجال الطب، وتحديداً ما بات يُعرف اليومَ باسم، "طب الدقة والإحكام" (Precision Medicine)، أو "الطب الشخصي".
يقوم هذا المذهب الطبي على ما أُحرز من تقدم في مجالَي البحوث الخاصة بالمورّثات وتحليل البيانات، ويحمل في طياته إمكانية تغير هائل في معالجة السرطان، وقد يقلب الطريقة التقليدية لممارسة الطب عموماً رأساً على عقب. فبدلاً من جمع المرضى معاً في تصنيفات عامة للأمراض، فإن طب الدقة والإحكام يسعى إلى تفصيل كل من الوقاية والتشخيص والمعالجة وفقاً للتركيبة الكيميائية الحيوية الفريدة لكل شخص على حدة.
التحقت ماك كيوين بدراسة للسرطان تستند إلى طب الدقة والإحكام -تحمل اسم "آي-بريديكت" (I-PREDICT)- ويجريها "مركز موريس للسرطان" التابع لجامعة كاليفورنيا بفرعها الواقع في مقاطعة سان دييغو بالولايات المتحدة. هناك في المركز، لا يعتمد الباحثون على علاج بعينه، بل يحللون الحمض النووي في الخلايا السرطانية للمريض. وباستعمال خوارزميّات خاصة، يتفحّص حاسوبٌ بيانات عن آلاف أشكال المورّثات، ومئات من الأدوية المضادة للسرطان، وملايين التوليفات الدوائية للعثور على العلاج الأفضل لاستهداف الانحرافات غير الطبيعية للورم. وقد يكون العلاج نوعاً جديداً من العلاج المناعي، أو علاجاً كيميائياً تقليدياً، أو علاجات هرمونية، أو أدويةً لم ترخَّص تحديداً لمعالجة السرطان.
تقول "رازيل كورتسروك"، اختصاصية أورام ومديرة "مركز موريس للعلاج الشخصي للسرطان": "إنه مبدأ بسيط؛ إذ نختار الأدوية المناسبة لكل مريض على حدة بناءً على شاكلة الورم، لا على عضو الجسم أو بناءً على نوع السرطان الموجود لدى 100 شخص. فالمسألة كلها تتعلق بالمريض الذي يجلس إزائي".
كانت أورام ماك كيويـن مليئة بمختـلف الطفـرات. وعن وضعها قالت كورتسروك: "هؤلاء هم نوع المرضى الذين كنا نطأطئ الرأس حزناً عليهم". ولكنهم من أهم المرشّحين لفئة جديدة من العلاجات المناعية، تدعى "مثبّطات نقـط التفتيـش المناعيـة" (Checkpoint inhibitors). فهـذه العلاجـات تمنع البروتينات التي تنتجها الأورام من الالتحام بالخلايا المناعية وتعطيلها، ما يعيد للمريض قُدرتَه على محاربة السرطان. وكلما زادت الطفرات، فإن الخلايا المناعية التي يُعاد تفعيلها ستهاجم مزيداً من الأهداف -أي الخلايا السرطانية- لاجتثاثها.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ